اعلان

"ترجمان الواصلين".. رحلة ابن عطاء الله السكندري من إنكار التصوف إلى "قطبية العارفين".. أول من ناظر "ابن تيمية" وتفوق عليه (فيديو وصور)

 ابن عطاء الله السكندري
ابن عطاء الله السكندري

كان في أول أمره ينكر على الصوفية حالهم، ويوجه إليهم انتقادات لاذعة، وعقب أن اصطحب العارف بالله أبو العباس المرسي، واستمع إلى دروس العلم التي كان يلقيها الأخير بالإسكندرية حتى أعجب به إعجابًا شديدًا وأخذ عنه طريق الصوفية وسرعان ما صار أحد أعلام التصوف على مر العصور.. إنه "ابن عطاء الله السكندري".

فقيه مالكي

"ابن عطاء الله"، هو أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عيسى بن عطاء الله السكندري، أحد فقهاء المالكية، وواحد من علماء التصوف السني من أتباع الطريقة الشاذلية التي أسسها الإمام أبو الحسن الشاذلي وخليفته أبو العباس المرسي؛ جاء أجداده، الذين يعود نسبهم إلى قبيلة جذام إلى مصر بعد الفتح الإسلامي، واستوطنوا الإسكندرية، حيث ولد ابن عطاء الله عام 1260 م، ونشأ كجده لوالده الشيخ أبى محمد عبد الكريم بن عطاء الله، والذي كان فقيهًا يشتغل بالعلوم الشرعية، حيث تلقى منذ صباه العلوم الدينية والشرعية المختلفة واللغوية حتى صار فقيهًا مالكيًا مشهودًا له.

جاءت نقطة التحول في حياة ابن عطاء الله عندما صحب الإمام أبو العباس المرسي، وتتلمذ على يديه لمدة اثني عشر عامًا، وقد تنبأ له أستاذه يومًا ناصحًا إياه: "إلزم، فو الله لئن لزمت لتكونن مُفتيًا في الْمذهبين"، قاصدًا بهذا القول مذهب أهل الحقيقة (الفقه)، وأهل العلم الباطن وهي العلوم الصوفية والحكم. ثم قال: "والله لا يموت هذا الشاب حتى يكون داعيًا إلى الله وموصلًا إلى الله. والله ليكونن لك شأن عظيم. والله ليكونن لك شأن عظيم والله ليكونن لك كذا وكذا".

وصف ابن عطاء الله رحلته في كتابه لطائف المنن، إذ قال: "جرت بيني وبين أحد أصحاب سيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه قبل صحبتي له وقلت لذلك الرجل: ليس إلا أهل العلم الظاهر وهؤلاء القوم يدّعون أمورًا عظيمة وظاهر الشرع يأباها، وسبب اجتماعي به أن قلت في نفسي بعد أن جرت تلك الخصومة: دعني أذهب أنظر إلى هذا الرجل فصاحب الحق له أمارات؛ فأتيته فوجدته يتكلم في الأنفاس التي أمر الشارع بها فأذهب الله ما كان عندي".

مناظرة ابن تيمية

يُعد ابن عطاء الله، أول من ناظر "ابن تيمية"، وألزمه الحُجَّة، وانكر عليه تشدده وفتاويه المخالفة لصحيح الشرع، واعترف ابن تيمية بتفوق ابن عطاء الله السكندري عليه وولايته.

ترك ابن عطاء الله السكندرى، تراثًا علميًا قيمًا، نذكر منه كتاب: «الحكم العطائية»، التي أفرد كثير من العلماء كتبهم في تفسير تلك الحكم ذات العبارات الرائقة والمعاني الحسنة الفائقة قصد فيها إيضاح طريق العارفين والموحدين وتبيين مناهج السالكين، ومن كتبه أيضًا «التنوير ومفتاح الفلاح»، و«تاج العروس»، و«عنوان التوفيق في آداب الطريق» – شرح بها قصيدة الغوث أبو مدين – كذلك «القول المجرد في الاسم الفرد».

وصفه الإمام ابن حجر العسقلاني، في كتابه "الدرر الكامنة"، بقوله: "صحب الشيخ أبا العباس المرسي، صاحب الشاذلي، وصنف مناقبه ومناقب شيخه، وكان المتكلم على لسان الصوفية في زمانه"، وقال عنه الإمام الذهبي: "كانت له جلالة عظيمة، ووقع في النفوس، ومشاركة في الفضائل، وكان يتكلم بالجامع الأزهر بكلام يروّح النفوس".

توفي ابن عطاء الله السكندري، بالمدرسة المنصورية في القاهرة عام 709 هجرية، ودفن بمقبرة المقطم بسفح الجبل بزاويته التي كان يتعبد فيها، وفي عام 1973 م، بُنى على ضريحه مسجدا ليظل شاهدًا على حياة ذلك الشيخ الصوفي الذي لقب بـ "قطب العارفين"، و"ترجمان الواصلين"، و"مرشد السالكين".

مناجاة صاحب الحكم

ومن روائع الشيخ ابن عطاء الله السكندري، التي أورثها لأهل الطريقة زيادة على الحكم مناجاته المشهورة التي يقول فيها: "إلهي إن اختلاف تدبيرك وسرعة حلول مقاديرك منعا عبادك العارفين بك، عن السكون إلى عطاء، واليأس منك في بلاء.. إلهي مني ما يليق بلؤمي، ومنك ما يليق كرمك.. إلهي وصفت نفسك باللطف والرأفة بي قبل وجود ضعفي، أفتمنعني منهما بعد وجود ضعفي.. إلهي إن ظهرتِ المحاسن مني فبفضلك ولك المنة علي. وإن ظهرت المساوئ مني فبعَدْلِك ولك الحجة علي.. إلهي كيف تكلني إلى نفسي وقد توكلت لي. وكيف أضام وأنت الناصر لي أم كيف أخيب وأنت الحفي بي، ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك، وكيف أتوسل إليك بما هو مُحال أن يصل إليك، أم كيف أشكو إليك حالي وهو لا يخفى عليك، أم كيف أترجم لك بمقالي وهو منك برز إليك، أم كيف تخيب آمالي وهي قد وفدت إليك، أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت إليك.. إلهي ما ألطفك بي مع عظيم جهلي وما أرحمك بي مع قبيح فعلي.. إلهي ما أقربك مني وما أبعدني عنك.. إلهي ما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك، إلهي قد علمتُ باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار أن مرادك مني أن تتعرف إلى في كل شئ، حتى لا أجهلك في شئ.. إلهي حكمك النافذ ومشيئتك القاهرة لم يتركا لذي مقال مقالاً ولا لذي حال حالاً.. إلهي كم من طاعة بنيتها وحالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك، بل أقالني منها فضلك.. إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك. أيكون لغيرك من الظهور ما ليس بك حتى يكون هو المُظهرَ لك. متى غِبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك. ومتى بعُدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبد لم يجعل له من حبك نصيبًا".

إقرأ أيضاً
WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً