"أموت ليظل اسمها سراً" يعيد الشعر لمكانته

إيهاب مصطفى

12:30 م

الأربعاء 19/أكتوبر/2016

حجم الخط A- A+
يعتبر السيد العديسي واحدا من أهم شعراء قصيدة النثر الحاليين، بدأ مسيرته مع الشعر بديوان "قبلي النجع" والذي صدر عن سلسلة إبداعات بالهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2005، وديوان "بابتسامة ندل.. بيموت" الذي صدر عن دار وعد للنشر والتوزيع، وديوان "يقف احتراما لسيدة تمر" والصادر عن دار الأدهم للنشر والتوزيع وأخيرا ديوان "أموت ليظل اسمها سرا" والصادر عن دار إبداع للنشر والتوزيع.

الديوان صدر في 95 صفحة من القطع المتوسط وعبر قسمين هما، الأول "يعد مائدة للعصافير" والقسم الثاني "أحبك..كقاطع طريق".

أما القسم الأول فهو قصائد صغيرة مركزة والقسم الثاني به اثنا عشرة قصيدة تحت عناوين" أينما تخطو تنبت الثورات، العالم يود أن يكون هنا، أحبك كبقرة، بالتأكيد يستحقون الشنق، أموت ليظل اسمها سرا، سأترك البئر لعشاق آخرين، امسحوا أفواهكم جيدا قبل التقبيل، رجاء..أقتليه برفق، حب لا ينشغل بالروائح، كنت سأحرر له محضرا، أحضر أحيانا حفلات الضفادع بالحقول، بائع الكحل الضرير.

الشاعر يؤكد في هذا الديوان على معرفته الحقيقية بعالم الصعيد والنجوع وإلمامه التام بالمفردات التي تشكل وجدان هذا العالم، واختياراته تنم عن وعي شديد بفطرة الفلاح ويؤكد أنه برغم مناقشته لحالة الصعيدي لكن تلك الحالة ليست خصوصية وغير قاصرة على اتجاه واحد وإنما كرس لعمومية الشعر، وكأنه يحاول لضم تلك الفجوة التي حدثت ما بين ذات المتلقي وذات الشاعر لقصيدة النثر، فقديما كانت النثرية نخبوية وتخاطب النقاد بدلالات وإشارات تأثرت كثيرا بشعراء مثل رامبو ولوركا وغيرهم، كانوا يحاولون تعويض الوزن الموسيقي المفقود بدلالات قانعة لشعرية القصيدة، والاتكاء على الملغز، حتى أن القصيدة نفسها تقولبت وانداحت منها جمالياتها وبساطتها وابتعدت عن القارئ تماما، وكلنا نعرف المقولة الشهيرة" أشعر الناس من تجد نفسك في شعره حتى تفرغ منه"، وهنا يؤكد "العديسي" في هذه النصوص الحداثية على أن الشعر يصلح لكل زمان ومكان ولكل العالم، فجاءت قصائده محملة بثيمات دلالية تحتوى على الكثير من الإشارات القابلة للتأويل، وجاءت المفردات متواشجة عضويا لتتحد في بنية دلالية مركزة كأنما عصرت عصرا .

في ديوانه يعجن الشاعر قصائده مخلوطة بالأسطورة لكنه لا يكرس للمفهوم الحديث عن الصعيدي، وهو القاسي وجالب الثأر والذي ينام بعد أن ينضو عن جسده العصا والعمة والشوارب.

قبل دخوله إلى بيته
ينفض الصعيدي من جلبابه
الأحاديث التي علقت به
وحين يأوي لمهجعه
ينضو عن جسده
العصا والعمة والشوارب.

الشاعر يتكئ على المخيلة الإنسانية في إعادة تدويره لصورة الصعيدي، فاللقطة المركزة له وهو ينفض جلبابه من الأحاديث عن المعارك وقسوتها وصعوبة جني الرزق وخلافه، هذه الأحاديث لها أماكنها حين تتضافر مع الهموم العمومية، أما دخوله لبيته فهو دخول نقي، فالعمة للمجالس العرفية والعصا للمعارك والشوارب للقسوة.

إذن الصعيدي ليس له صورة واحدة كما هو المعتقد، الشاعر هنا يكرس لتلك الرؤية المغايرة، حتى محبته لها وقع خاص ورؤية مخالفة للسائد، لا يهمه الآخرون ليس لأن الآخرون هم الجحيم كما قال سارتر ولكن لأن الآخرون لا يمثلون له عبء ولا يمنحهم حتى تفكيرا مجردا.

تختلف معيارية الصعيدي تماما وتتبدل فهو القاسي وقاطع الطريق كما هو موجود في المخيلة الإنسانية وهو الطفل الذي يرجع ليبكي عند قدمي حبيبته، وهو الذي يتفنن في محبته بحسب الموروث.

أغبياء جدا هؤلاء العشاق
يصفون حبيباتهم دائما بكوكب أصم
مظلم
يمشي في ذيل الأرض
أنا لست مثلهم يا حبيبتي
لن أشبهك بقمر يمسك مرآة في السماء
ليعكس نور الشمس
أنت أحن أيضا من شمس حارقة ترسل الحمى
وأطهر من محراث ينقي التربة من الدنس
أبهى من فأس وأرق من دجاجة
أراك يا حبيبتي
كما يرى الفلاح الجمال في هذا العالم
لذا
أحبك كبقرة

الحقيقة أن الشاعر أفلح كثيرا في توظيف المفردات اليومية للفلاح البسيط، محراث، فأس، دجاجة، وأخيرا البقرة.

هناك حالة تصاعدية للمحبة في عمق الفلاح، المحراث مثلا لا يستخدم إلا لتقليب الأرض وبالتالي يمكن الاستغناء عنه إلا مرتين في العام، الفأس لا تستخدم يوميا ولكن يمكن هجرها وقتيا، الدجاجة تساهم في اقتصاد بيت الفلاح بالبيض والبيع والذبح، أما البقرة فهي حياة الفلاح، هي التي تسحب المحراث لتنقي الأرض من الدنس وبدون البقرة ليس هناك محراث، وبالتالي فإن الفأس نفسها تتعطل، لو مرضت البقرة لما نام بيت الفلاح لأن اقتصاد البيت تضرر كلية، البقرة تحلب فيبيع الفلاح اللبن، ويبيع الجبن والسمن والرايب وخلافه، تكبر فيزداد ثمنها وتمنحه أبناءها ليبيعهم ويجهز بيتا جديدا إن أراد، ثم إن كلمة فلاح بدون بقرة لا تصلح من الأساس، لذلك تدرك الزوجة قيمة البقرة، تعاملها كأم رؤوم، تقصر مع أبناءها ولا تقصر معها، موت بقرة في بيت فلاح هو خراب لهذا البيت، والشاعر هنا يدرك تماما قيم المفردات للفلاح، ما الذي ستدركه حبيبة الفلاح من تشبيهها بالقمر؟، ولكن تدرك تماما معنى أن يحبها زوجها كبقرة، لذلك تبتهج تماما لإدراكها تلك القيم المفارقة والمغايرة لدلالات المحبة والتي تتماثل مع رؤيتها للعالم.

الديوان هنا لا يناقش وضعية الفلاح الصعيدي فقط وإنما يتناول الطفل الصغير وعلاقته بالمفردات البيئية من حوله، النخيل وكروم العنب والبيوت المبنية بالطين في الألعاب..سائر الموجودات التي يذخر بها هذا العالم، واللافت عند الشاعر أنه لا يزيد ولا يسهب ولكنه يمنحك تلك اللقطة المعتمدة على الفكرة، حيث أن الشعر في ذاته فكرة، هي فكرة صغيرة تنفتح على الرؤى وتتماس مع الكل رغم خصوصيتها.

كنت لصا فاشلا
ضبطني حارس الكرم مرة
وأنا أسرق عنقود عنب
فأوثقني في الساقية التي تدور
منذ ذاك الحين
كلما رأيت العنب
يصيبني الدوار

هنا وباستدعاء مباشر للطفولة يكون الباعث/مرأى العنب كافيا لنقل الحالة لما لها من تأثير في وعي الطفل حد دمجها بتلك الرؤية للساقية وهي تدور والطفل معلق بها يدور بدورانها، وهنا تأتى المفارقة، فالطفل أحيانا يدور خلف البقرة التي تحمل "قادوس" الساقية على رقبتها وتلف فترمي الحياة للزروع، ولكن لأن الأمر هنا عقاب والطفل يدرك تماما الفارق ما بين الاختيار القابل للرؤية وما بين العقاب المجبر عليه، فإن الأمر يشكل له عبئا حقيقيا وبالتالي يحدث الدوران وفقد الإحساس بالعالم، آلاف المرات يدور الطفل في الساقية كانت كفيلة تماما لينتابه الدوار بتذكر العقاب في كل مرة يرى فيها العنب.

كنت أيضا مخربا كبيرا
أصحو مبكرا كل صباح
لأهدم بيوت أطفال العائلة
أنا الذي عشت طفولتي أخطط لبيتي الجميل
أبدا لم أشرع في بنائه
- ليس كسلا-
ولكن لأفوت على الأشرار فرصة هدمة.

لا ينفك الشاعر يعود إلى طفولته حيث الألعاب الفطرية بالأبنية المخبأة بين بيوت ودروب النجع، فالنقاط هنا تحسب بعدد هدم البيوت التي تفنن أصحابها في بنائها بالقش والطين وتركوها متوارية عن الأعين آملين في عدم رؤيتها كي لا يتم هدمها، ولأن الطفل كان يدرك تماما أن بيوت ودروب النجع محفورة في أذهان الصغار، والمناطق التي تصلح للأبنية محدودة فلا يبني بيته كي لا يمنحهم فرصة لهدمه وبالتالي فوزهم بعدد أكبر من البيوت المهدومة ومنحهم عدد أكبر من الخيبات.

أمي التي كبرت
تدرك كيف تحاصر الشيب بالحناء
لكنها تنسى مثلا
أنها ذبحت لنا بطتها
وتسهر الليل تلعن العادة السيئة
لجارة السوء
"الديوان ص 23"

هذه اللقطة المكثفة تنبئ تماما عن احتشاد البنى المعرفية للذات الشاعرة وخصوصية المعرفة تمكنها من فرض رؤية يحتدم فيها الكثير من الوعي بهذا العالم، الأم التي تكبر في السن فتبيض الشعيرات فتدرك تماما أن هذا خطر ينبئ بالهزيمة الحتمية أمام الكثير منهم الزوج نفسه، لذلك تبدأ بفرض سياج مانع ما بينها ورؤية الآخر، تغلغل الحناء لأن الحناء وسيلة معلومة للكل والبنات الصغيرات أحيانا، فلا يعرف كبر الأم، ولكن لأن تأثير الكبر لا يظهر فقط في لون الشعر فإنه يتجلى في البطة – التي ذبحت- والتي كانت تخرج نهارا كل يوم فتضربها جارتها فيبدأ العراك ما بين الجارات، الأم تتناسى هنا والنسيان هو ما فرضه الكبر على داخلها ربما لأن خارجها قد تغير وتبدل إلى ما لا ينبئ عن هذا الكبر، فبات النسيان" الزهايمر" وسيلة لمعرفة كبر الأم أحيانا لنسيانها أنها ذبحت البطة فتلعن الجارة التي ضربت البطة كعادتها كل يوم.

الطين وحده يظهر البريق في قدميك
غبار النظافة على وجهك كمساحيق التجميل
كيف للمقشة أن تخرج هذه الألحان؟
صدقيني ستكونين أبهى
حين يتحد الهباب مع جبينك الناصع
يا حبيبتي
كل رغيف يخرج من الفرن ينسى في راحتيك طزاجته
مخلفات الحمام على جلبابك كزهور الزينة
أشتهيك وأنت تنظفين البهائم
أجمل لحظات حبنا تلك التي نسرقها في أحضان الحظيرة. "الديوان- ص 78، 79"

يحفل الخطاب الشعري في ديوان "أموت ليظل اسمها سرا" بالعديد من المفردات البيئية التي وظفت لتشكل الحالة لدي الشاعر، " الطين، غبار النظافة، المقشة، الهباب، رغيف العيش، مخلفات الحمام، البهائم" لدي كل ذات في العالم حالة رومانسية تناسب وعي هذه الحالة، أيضا المفردات التي تشكل مفردات من حياة يومية لدى الصعيدي، بيد أنه لا يشمئز منها ويتعامل معها في كل مكان بنفس الروح المتقبلة لها على جلباب الزوجة، ولأن الحظيرة هنا تمثل حالة الاقتصاد كما في قصيدة "أحبك كبقرة"، فإن الحب مستمد من وجود الحظيرة بخير، وهنا الشاعر يحيل المتلقي إلى أفق أوسع من رؤية لهذا العالم، ووعي الصعيدي نفسه في التعبير عن محبته بدلالاته الخاصة النابعة من وعيه للعالم.

يتكئ العديسي في هذا الديوان على الفكرة وصياغتها بأقل عدد من الكلمات، وفق رؤية عميقة متجذرة في عمق البيئة ووفق قدرة على الصياغة الدقيقة تحيل النص الشعري إلى روح حقيقية تحرك الكلمات وتجعل ما بينها وذات القارئ حبلا خفيا ورهيفا تجعله يستشعر النصوص، يحول العنف ويصيغه في دلالات للمحبة ويشكل من الرؤى المغايرة وسائل للتعبير، مجموعة من النصوص التي تربطها وحدة البيئة والدلالة التعبيرية والقدرة على النظر إلى ما خفي عن رؤية الآخرين.
"أموت ليظل اسمها سراً" يعيد الشعر لمكانته
موضوعات متعلقة