ماذا تريد تركيا من المياه القبرصية؟.. المصالحة أم تعطيل مصالح مصر.. قرار قبرص ببدأ التنقيب عن الغاز يزعج أنقرة

سها صلاح

02:21 م

الثلاثاء 13/فبراير/2018

ماذا تريد تركيا من المياه القبرصية؟.. المصالحة أم تعطيل مصالح مصر.. قرار قبرص ببدأ التنقيب عن الغاز يزعج أنقرة
حجم الخط A- A+
مرت قبرص مؤخرًا بأزمات اقتصادية عنيفة، والآن أمامها فرصة لتطوير الموارد الغازية البحرية، خاصة بعد استكشاف حقل ظًهر المصري،حيث سيكون هناك تعاون بينهما على مستوى البترول ومع ذلك فإن فرص المضي قدمًا في هذا المشروع محاطة بالمشكلات، لأن تركيا تعارض بشدة مضي قبرص قدمًا في مثل هذه المشاريع، لأسباب ربما تتعلق بفشل عملية السلام وإعادة توحيد الجزيرة، أكثر من كونها مسائل متعلقة بالقانون البحري الدولي.

وقالت صحيفة زمان التركية بنسختها الإنجليزية أن تركيا في موقف حرج دبلوماسيًّا، فهي تعارض مصالح كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإسرائيل وقبرص وروسيا، وكلها تدعم حق قبرص في التنقيب في منطقتها الاقتصادية.

موقف تركيا هو عدم الاعتراف بشرعية الاتفاقيات الخاصة بترسيم المنطقة الاقتصادية التي وقعتها قبرص مع مصر، ولبنان، وإسرائيل؛ لأن قبرص ما زالت جزيرة مقسمة، ولا يمكنها تمثيل مصالح قبرص الشمالية.

كما أن لتركيا أيضًا مطالب في الجرف القاري، من غرب قبرص إلى خط الوسط بين تركيا ومصر، والمتداخل جزئيًّا مع الكتل 1، 4، 6، و7 من المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، متجاهلة أن قبرص أساسًا عبارة عن جزيرة.

وقد اتفقت تركيا مع شمال قبرص ليس فقط بالنسبة لترسيم حدود الجرف القاري بين شمال قبرص وتركيا، ولكن أيضًا بالنسبة لمطالب شمال قبرص بالحقوق في المياه الممتدة إلى الجنوب والجنوب الشرقي من قبرص من خلال الكتل 1، 2، 3، 8، 9، 13، والأهم الكتلة 12، على بعد بضعة كيلومترات من حقل أفروديت حيث تم اكتشاف الغاز.

ومنحت شمال قبرص تراخيص التنقيب لشركة النفط الحكومية التركية تباو للبحث في الكتل، ليس فقط في المياه بين تركيا وشمال قبرص، ولكن أيضًا في القطاع الجنوبي الشرقي من المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص.

المشهد الحالي يوحي بتصاعد الصراع، والتهديد باستخدام القوة احتمال قائم إذا لم يتفق الطرفان ويتوصلا إلى حل مشترك

وبعيدًا عن مسألة تطوير مواقع الإنتاج، كيف سيتم نقل صادرات الغاز القبرصي إلى الأسواق الأوروبية أو إلى العالم؟

الفكرة الأولى هي خط أنابيب من قبرص إلى اليونان، الذي تؤيده الشركة الوطنية اليونانية لتوزيع الغاز "ديبا"،ومع ذلك، فإن هذا الخط سيكون طويلًا جدًّا؛ 700 كم تحت سطح البحر إلى جزيرة كريت، 200 كم فوق سطح الأرض إلى جزيرة كريت، و200 كم إلى اليونان، بالإضافة إلي المزايا السياسية ، والربط المباشر بين شبكات الاتحاد الأوروبي، فإن هذا الطريق البحري سيكون طويلًا، ويبدو أن السلطات القبرصية لن تساند الفكرة.

الفكرة الثانية، هي خط أنابيب من حقل أفروديت إلى جنوب قبرص، باجتياز الجزيرة إلى الشمال ثم الذهاب مرة أخرى تحت سطح البحر إلى تركيا، ليصل بشبكة عبر الأناضول التي ستحمل غاز بحر قزوين إلى أوروبا.

وقد رأت أنقرة أن هذه الفكرة قابلة للتفاوض، لكن بعد تسوية الصراع مع قبرص، ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يعتمد على الثقة السياسية بين جميع الأطراف، والذي يعد إفراطًا في التفاؤل من قبل دعاة السلام،عمومًا فإن البديل لخطوط الأنابيب الأرضية سيكون نقل الغاز من جنوب إلى شمال قبرص، وهو الأمر الذي لا يحمل أي أهمية اقتصادية، ولكنه يعد استئنافًا رمزيًّا للعلاقات السياسية في سياق إعادة التوحيد والمصالحة.

أما الخيار الثالث فهو توظيف التكنولوجيا الجديدة للمرافق العائمة للغازالطبيعي المسال، وهو التطور التكنولوجي الجديد، الذي لم يتم العمل به بعد، على الرغم من أنه تم التعاقد على أول استثمار مع شركة شل إستراليا، وأنه يجري النظر في بحثه في أماكن عدة.

وفي حين أن قبرص لا تبدي اهتمامًا بهذا الخيار، إلا أن إسرائيل أبدت رغبتها، مما سيخلق إمكانية قيام مشروع مشترك للغاز الطبيعي المسال بموجب الخيار الثالث.

وعمومًا يبدو أن خيار الغاز الطبيعي المسال يأتي في الصدارة، ومع أن التخطيط لا يزال في مراحله المبكرة. إلا أنه سوف يأخذ في الحسبان الاعتبارات البيئية، ومن الوهلة الأولى يبدو أن هذا يصب في صالح أقصر خطوط الأنابيب تحت سطح البحر، مما يعزز الحال بالنسبة للغاز الطبيعي المسال.

كيف ستؤثر استثمارات الغاز في عملية السلام القبرصية؟ من الواضح أن هناك حاجة إلى تجنب المخاطر السياسية الرئيسة للاستثمارات بالمليارات من اليورو.

ضرورة وجود الخطة ب لتسوية النزاعات
كيف يمكن لاستثمارات الغاز أن تؤثر في عملية السلام القبرصية؟ من الواضح أن هناك حاجة إلى تجنب المخاطر السياسية الرئيسة للاستثمارات بالمليارات من اليورو.

لكن هل من الممكن إجراء تعديلات على عملية التفاوض للدفع بها إلى الأمام؟ حتى الآن، كان المنطق المسيطر على خطة عنان والمفاوضات الحالية، هو أنه "لا اتفاق على أي شيء حتى يتم الاتفاق على كل شيء".

هل يمكن أن يكون هناك الآن نهجًا مختلفًا، يتألف من أبسط الخطوات، من أجل التوصل إلى اتفاق سريع ومؤقت يصب في مصلحة جميع الأطراف: الفصيلين القبرصين بالإضافة إلى تركيا والاتحاد الأوروبي؟ وهل يمكن تصور مثل هذا الاتفاق مع الأخذ في الحسبان هذه النقاط للتوصل إلى تسوية في غضون عام؟

لقد تم بالفعل فتح الحدود بين شمال وجنوب قبرص بمختلف نقاط العبور، وبناء على هذا الإنجاز الحقيقي الوحيد منذ خطة عنان، والذي تم تعريفه من قبل الاتحاد الأوروبي بالخط الأخضر لعام 2004، تعبر السلع القبرصية الآن الخط الأخضر في كلا الاتجاهين من دون دفع رسوم جمركية. المواطنون القبارصة الأتراك قادرون الآن على أن يصبحوا مواطنين لجمهورية قبرص، ومن ثَمّ من مواطني الاتحاد الأوروبي، والتي تعد نقطة انطلاق نحو الأفضل.

ستظل قبرص الشمالية تتمتع بالحكم الذاتي، شأنها شأن قبرص اليونانية، وكلتاهما تشكل جمهورية قبرص. وستدخل قبرص الشمالية ضمن اختصاص قانون الاتحاد الأوروبي وتستفيد من جميع سياسات الاتحاد الأوروبي، مثل الصناديق الهيكلية، شأنها شأن أي منطقة أخرى من مناطق الاتحاد الأوروبي بما يفي ذلك نصيب الفرد من الدخل القومي. وستواصل قبرص الشمالية اعتماد معايير الاتحاد الأوروبي بشكل مستقل بمساعدة وتشجيع من المفوضية الأوروبية.

كلتا الدولتين القبرصيتين لهما تمثيل رسمي في بروكسل، بالإضافة إلى التمثيل الدائم لجمهورية قبرص، ولن يكون هناك هيكل دستوري اتحادي لقبرص، فلا تزال الأجزاء اليونانية والتركية الحالية تتمتع إلى حد كبير بالحكم الذاتي.

يجب أن تكون هناك بعض التعديلات الإقليمية، على الأقل مدينة الأشباح فاروشا والمنتجع السابق على الشريط الحدودي الحالي بالقرب من فاماغوستا يجب أن تعود لقبرص اليونانية. وستبقى كيفية التوصل إلى تسوية إقليمية محل نقاش وتفاوض. لكن مسألة من يسيطر على الشريط الحدودي للمحليات الصغيرة ينبغي أن تتلاشى تدريجيًّا في ظل التقدم الذي يتم إحرازه على الصعيد السياسي.

فمن الذي يقلق هذه الأيام بشأن جغرافيا الحدود البلجيكية الهولندية والبلجيكية والفرنسية، أو بلدة ليفيا الإسبانية التي تقع كمكتنف داخل الأراضي الفرنسية، برانسي أورينتال؟ لا أحد، ألا تستطيع منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية على جانبي الجزيرة أن تروج لجوانب أوروبا هذه ما بعد الحداثة، كنماذج لحل النزاعات؟

وقد أخفقت عملية التفاوض، في التوصل إلى اتفاق شامل، أولًا بسبب رفض خطة عنان عام 2004 ومنذ عام 2008 بسبب عدم استئناف محادثات السلام. إذن لماذا يمكن أن يكون هناك انفراجة الآن؟

الغاز هو السبب، فاستغلال الغاز سيتطلب استثمارات كبيرة من قبل الشركات والقطاعات المالية، وقد يتردد المستثمرون في الاستثمار في ظل المناخ السائد من عدم الوضوح السياسي والتوترات بين قبرص وتركيا حول المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.

ويبدو أن التهديدات التركية لاستبعاد الشركات النفطية العالمية التي تستثمر في المياه القبرصية من فرص الاستثمار داخل تركيا قد ردعت العديد من كبرى الشركات من التقدم لعطاءات الجولة الثانية من التراخيص، حتى إن الشركات المتوسطة الحجم التي تقدمت للحصول على عطاءات قد تتردد في الاستثمار في مناخ من المخاطر السياسية، كما أن شركات التأمين الخاصة بهم قد تتردد أيضًا.

كيف يمكن حساب التكاليف والفوائد للأطراف الأربعة، قبرص الشمالية وقبرص الجنوبية وتركيا والاتحاد الأوروبي؟

المكسب الحقيقي لقبرص اليونانية، هو إمكانية استغلال الغاز بطرق مفيدة اقتصاديًّا وبأسرع وقت ممكن. حيث إنه في أفضل السيناريوهات، ستستغرق الاستثمارات المطلوبة عدة سنوات كي تتحقق، والسرعة في التوصل إلى حل سياسي هو الأكثر أهمية بالنسبة للاقتصاد القبرصي.

سيكون هناك أيضًا بعض المكاسب الأخرى من حيث المكاسب الإقليمية ونزع سلاح الشمال بشكل تدريجي، ولن تكون هناك حاجة لتقاسم سلطة المؤسسات الاتحادية.

بالنسبة لقبرص التركية، سيصبح بإمكانها تطبيع الترتيبات التجارية، والمشاركة الكاملة في سياسات الاتحاد الأوروبي والحصول على حصة من عائدات الغاز الطبيعي، والأهم هو تطبيع وضع مواطنيها، والإدارة والأعمال في الشؤون الدولية والاتحاد الأوروبي.

هل المصالحة بين قبرص وتركيا ممكنة؟
المصالحة تتطلب تغييرًا في المواقف على المستويات السياسية العليا وتفاوضًا بناءً مع وجود إرادة حقيقية لتحقيق النجاح والتغلب على العقبات الحالية، ومع ذلك، فإن هذا التمني يطرح سؤالًا؛ ألا وهو: هل يمكن تحقيق ذلك من الناحية السياسية؟

أبرز الأمثلة على إمكانية تحقيق المصالحة، ما حدث بين اليونان وتركيا، حيث تحسنت العلاقات بينهما في الألفينيات بعد أن شهدت توترات كبيرة في 1996، وصلت إلى حافة الدخول في صراع عسكري على بعض جزر بحر إيجة غير المأهولة (إيميا-كارداك)،ثم عمل جورج باباندريو وزير الخارجية اليوناني آنذاك، ونظيره التركي إسماعيل جيم، على تحسين العلاقات من خلال المساعدات المتبادلة بعد الزلازل التي ضربت تركيا في أغسطس 1999 واليونان في الشهر التالي.

وأعقبت "دبلوماسية الزلازل" هذه عدة مبادرات، بما في ذلك دعم اليونان لطموحات تركيا بالانضمام للاتحاد الأوروبي، ودافع وزراء خارجية البلدين عن إنجازاتهم موضحين أن الشعبين أرادا ذلك بدلًا من قصة العداء الجيوسياسي القديمة.

وأظهرت استطلاعات الرأي للقبارصة اليونانيين والأتراك التي أجريت في عام 2008 نفس الشيء للقادة فيما يتعلق بعملية السلام المتوقفة، وردًّا على السؤال حول “إلى أي مدى كنت ترغب -وتتوقع من القادة -التوصل إلى تسوية مقبولة للطرفين من خلال عملية السلام؟" كانت ردود الجانبين إيجابية ومتطابقة، فأجاب الثلثان إيجابًا، وأجاب الربع بالنفي.


موضوعات متعلقة