اعلان

مجهولو النسب.. حكاية 2 مليون لقيط في شوارع المحروسة

صورة تعبيرية

في البدء كانوا أطفالا ألقتهم يد الخطيئة في لفائف بيضاء على جنبات الطرق، وكانت سطور شهادات ميلادهم محاضر بأقسام الشرطة، وبدلا من زغاريد الفرح لقدومهم طاردتهم لعنات الخطيئو وهم في طريقهم للملاجيء، هم أطفال المجهول أو ما يعرفون بمجهولي النسب، الذين يعانون الأمرين في طفولتهم وشبابهم، في وطن لا يحملهم ذنب جريمة لم يرتكبوها.

2 مليون طفل مجهول

وصل عدد الأطفال مجهولي النسب في مصر إلى 2 مليون طفل، ووفقًا لآخر إحصائية رسمية، ويطلق لقب«مجهول النسب» على الأطفال، الذين تم إيجادهم في صناديق القمامة بالشارع أوأمام أبواب المسجد أو على جانبي الطريق، ليلقاهم أصحاب القلوب الرحيمة.

- حكايات الوجع

نعمة مصطفي وخديجة على، روتا قصتهما في دار الأيتام بعدما تم العثور عليهما واحدة بجانب القمامة والأخرى أمام المسجد أثناء صلاة الفجر، وقالا إن معاملة الدار "رفضوا ذكر اسمه" يشوبها كثير من التفرقة بين الأيتام ومعدومي النسب، موضحين أن معدومى النسب ينظر إليهم على انهم "أبناء الحرام" وعليهم أن يتحملوا ذنب أرتكبه غيرهم، وكانوا هم النتيجة الحتمية لهذا الذنب، قائلين" بيحاسبونا على اننا اللى ارتكبنا الذنب ده وجينا الدنيا بمزاجنا، ومش حاسين اننا ضحية".

وأوضحتا الفتاتان أن سوء المعاملة في الدار تبدأ من التوبيخ والتذكير دائمًا بأننا معدومي الأب والأم، على عكس المعاملة التي يتلاقاها الأيتام داخل الدار، وعلى نفس المنوال كانت نظرة المجتمع التي تراهم "أبناء خطيئة"، وأشارتا إلى أنهما تخرجتا من الدار عند سن الـ 18 عامًا يحملان أوراق مكتوب عليها اسم أب وهمي لاوجود له من الأساس، ضائعين بين الشوارع والبشر لايعرفان وجهتهما.

رحلة الضياع

نعمة وخديجة بدأتا حياتهما خارج أسوار الملجأ باعتلاء غرفة فوق سطوح إحدى العمارات في حي شعبي وذلك لادخار مقابل المصاريف اليومية إلى أن وجودتا فرصة عمل واحدة تعمل في مكتبة والأخرى في حضانة.

ذئاب مفترسة

أشارت فتاتا المجهول أن توفير مصاريف للدراسة الجامعية يعد أمرا غاية في الصعوبة في ظل الحالة المأسوية التي يعيشان بها، ولفتت الفتاتان الانتباه إلى أن جانب من نظرة المجتمع لهم تتمتع بالغريزة والرغبة في ممارسة الفاحشة معهما، بمجرد علم أى صاحب عمل بانهما "معدومى النسب" وخريجتا دور رعاية وبحاجة إلى مال ومأوى.

وذكر القائم على إدارة جمعية نور الأمل لرعاية الأيتام، أن عدد الأطفال التي يتم إيجادهم بجانب القمامة وعلى الأرصفة وأمام المساجد أصبح يشكل خطرًا لما وصل إليه حال المجتمع من الفاحشة والتجرد من الأمومة وتخلي الأب عن مسئوليته، وكما أكدت الاحصائيات الرسمية أن هناك الآلاف الأطفال معدومي النسب في مصر، ويتفرع هولاء الأطفال تحت ثلاثة بنود، الأول وهو الطفل معدوم النسب لأن الأب رفض الأعتراف به وتسعي الأم لاثبات حق ابنها في النسب، والثانى هوالطفل الذي تم ايجاده في الشارع وتولت أسرة رعايته وكفالته، أما البند الثالث فهو الطفل الذي تم إيجاده في الشارع وأصبح مسئولًا من دار الإيتام لعدم وجود من يكفله.

وأوضح المسئول أن خطوات إيداع الطفل في دار الأيتام، تبدأ بإلعثور على الطفل ومن هنا يتم التوجه إلى أقرب قسم شرطة، لتتولى الشرطة أمره، وتحوله إلى أقرب وحدة صحية تابعة للمنطقة التي يقع بها القسم، تبدأ هنا مهمة الطبيب، حيث يتم تقديم الرعاية الطبية للطفل ومعرفة سنه وحالته الصحية وتسميته اسم لا يمت للواقع بصلة، ويحول الطفل مجهول النسب إلى دار ايتام تابع للمنطقة، موضحًا أن الطفل يستمر في دار الايتام لمدة عام واحد، وبعدها يتم تحويله إلى دار ايتام تابعة لوزارة التضامن الإجتماعي، وتتولى الدار تسليم الطفل إلى "الأسر البديلة"، التى لم يرزقها الله بالذرية أو يستمر الطفل في دار الايتام إلى أن يبلغ السن القانوني ويستطيع الخروج للعيش خارج الدار والاعتماد على النفس.

بعد الـ 18

أشار مسئول دور الرعاية أنه فور بلوغ الطفل سن الـ 18 سنة يتم اخراجه من الدار حتي يستطيع مباشرة حياته بكل حرية والاعتماد على النفس، يتم خلال ذلك تسليمه الأوراق الرسمية الخاصة به مثل شهادة ميلاد وبطاقة وشهادة من الدار ومبلغ مالي تم ادخاره من خلال التبرعات، ليساعده على إيجاد سكن ووظيفة واكمال الدراسة، ولكن يبقى هنا جرًء صعبًا وهو مواجهة هولاء الشباب لمجتمع ظلوا ما يقرب من 20 عامًا لا يعرفون شيئًا عنه، موضحًا أن هناك بعض دور رعايا تستضيف مجهولي النسب للسكن لديها بعد تخرجهم من الدار ولكن بمقابل مادي بسيط.

القانون لا يحمي اللقيط

وعن الشق القانوني في مسألة مجهولي النسب فيقول اسلام الغزولى، المحامي، إن الدستور المصري يحمى الطفل اللقيط، ويعطيه حق في الأسم والنسب بشكل عام، أما عن القانون الأحدث فيعاني من مشاكل تتلخص أن هناك مواد قانونية قديمة مازال يجري العمل بها وتطبيقها رغم تغير ظروف المجتمع، مثل قانون الاحوال الشخصية الذي أدخل عليه بعض التعديلات ولكنه بحاجة إلى تجديد بعض مواده.

وأوضح المحامي أن قانون الطفل رقم 126 لسنة 2008 يكفل للطفل الحق في الاسم والنسب، في حالة تم الكشف عن وجود والديه، وكذا الحق في حماية خاصة ويكفل أيضًا أن تتحقق مصلحة الطفل أى كانت الاعتبارات الأخرى.

وقال هاني هلال، عضو المركز القومي لحقوق الطفل المصري، إن عدد الأطفال اللقطاء في مصر وصل إلى ما يقارب من 2 مليون طفل، وهذه مؤشرات خطيرة على المجتمع، هذا بجانب قضايا النسب التي تكتسح محكمة الأسرة لإثبات نسب الأطفال إلى الأباء، موضحًا أن المركز شريك في كل قضايا النسب المرفوعة أمام المحاكم من منطلق حقوق الطفل لا حقوق المرأة وذلك وفقًا لاتفاقية حق الطفل في الحصول على اسم ونسب وجنسية، ووقعت مصر على هذه الاتفاقية وليس لديها أي تحفظ على أي بند فيها.

أسر بديلة

وأوضح رئيس القومي لحقوق الطفل المصري أن رئيس الوزراء أصدر قرار رقم 178 لسنة 2016 بتعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية لقانون الطفل، ويسمح التعديل الجديد بتسليم الأطفال للأسر البديلة الراغبة في احتضانهم بدءًا من 3 أشهر بدلًا من سنتين، واحتوى التعديل ايضًا على توسيع دائرة الأسر البديلة التي مسموح لها كفالة الأطفال مجهولي النسب، برفع سن الزوجين الراغبين في الكفالة إلى 60 عاماً بدلا من 55 عاماً، مع إتاحة ظروف صحية وإجتماعية ومادية ونفسية تعوض الطفل فقدان والديه.

اللقطاء

على الصعيد الديني يقول الدكتور سيف رجب قزامل، عميد كلية الشريعة والقانون بطنطا، إن هناك فرقًا بين الطفل اليتيم والطفل معدوم النسب، موضحًا أن اليتيم هو الطفل الصغير الذي فقد أحد والديه، وذلك عكس وضع معدوم النسب أو كما يطلق عليه اللقيط، والأخير هو الطفل الصغير الذي تخلى عنه والديه بعد انجابه، سواء لعدم رغبتهما في تحمل المسئولية أو أن الطفل جاء للحياة عن طريق الزنا أو الزواج العرفي واختار الزوج والزوجة التخلص منه لخفئ الجريمة.

وأكد رجب أنه يجوز تزوج الشاب أو الشابة معدومي النسب إلى ابناء الأسر، وذلك يرجع لعدم تحملهم ذنب اقترفه غيرهم، وكما وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك"، وهذا دليل واضح على أن الشابة معدومة النسب لها الحق في أن تعامل معاملة عادلة ولها حق في الزواج ولا خوفًا منها طالما انها تتمتع بالخلق الجيد والدين.

حقوق المعدوم

وأوضح الدكتور طه حبيشي، أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، أن اللقيط له حقوق ذكرها الدين الإسلامي لمراعاة حق من ولد معدوم النسب، وتتمثل هذه الحقوق في تقديم الرعاية اللازمة للطفل من جانب الدولة، وكفالة حقه في الدستور والقانون، ومساواته بمن لديه أسرة ونسب، وعلى الوجه الأخر يجب أن لا ينظر المجتمع للطفل معدوم النسب على أنه هو من أختار أن يكون في هذا الوضع، فالقيط هو مظلوم بذنب ارتكبه أب وأم تجردت معاني الرحمة من قلوبهما، وألقيا طفلهما بالشوارع خوفًا من افتضاح فعلتهما.

قنابل في الحضانة

أوضح الدكتور طه أبو حسين، استاذ علم الاجتماع، أن المجتمع المصري يحتضن قنابل يمكن أن تنفجر في أى لحظة، منها على سبيل المثال أطفال الشوارع لما لهم من تأثير سلبي على المجتمع، إضافة إلى الأطفال معدومي النسب الذين يتعرضون للاهانة من جانب بعض أفراد المجتمع مما يترتب عليه أن يكون الطفل منبوذًا من المجتمع.

وأوضح أبو حسين أن تراجع بعض أفراد المجتمع عن نظرة الاحترام إلى اللقيط أو معدوم النسب يخلق داخله عنف كبير وكراهية تجاه المجتمع، ومع مرور الوقت يمكن أن يتحول هذا الفرد إلى مجرم لرغبته في الانتقام من مجتمع ينظر إليه على أنه «بن حرام» على حد تعبيره، دون النظر إلى الحياة الصعبة التي يعيشها وكيف كانت حياته بدون أب وأم حقيقيين.

كما أكد الدكتور هاشم البحيري، استاذ الطب النفسي جامعة الأزهر، أن الطفل معدوم النسب يتكون لديه حالة من عدم الرغبة في الحياة، ويرجع ذلك إلى الوحدة التى يجد نفسه بها، إضافة إلى عدم تعرضه للنشأة في أسرة سوية مستقرة، وهنا يأتي دور طب النفس.

نقلا عن العدد الورقي.

إقرأ أيضاً
WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً