مأساة "متشردي" روض الفرج.. سكان 3 منازل منهارة يفترشون الشواع.. ورئيس الحي: "ادي الله وادي حكمته" (صور)

أهل مصر

فى الثانى عشر من ديسمبر الماضى، انهارت 3 عقارات بشارع السوق بجزيرة بدران، التابع لحي روض الفرج بالقاهرة، أسُر بأطفالها ومُسنيها باتوا مُشردين فى الشوارع والطرقات، وعود المسؤلين بتوفير مأوى لهم تناثرت كالرماد، رحلوا بعد استخراج أخر جُثة من تحت الأنقاض، دون أثر منذ ذاك الوقت حتى الأن.

في شارع السوق تستقرعلى جانبيه مبان مُتهالكة بالية الملامح يُدفن مدخل أبوابها أسفل الأرض، هناك بحثت «أهل مصر» عن سُكان المنازل المهدمة ظنا بإنهم رحلوا عن المنطقة، لكنهم ظلوا قريبين من الأطلال والأنقاض التي تختلط بسنوات عمرهم.

المشهد كان قاسيا النساء يفترشن الأرض ويلتحفن بالسماء يجلس بجانبهن أطفالهن الذين تتراوح أعمارهم ما بين الخامسة والعاشرة، يتسامرون مع جيرانهم يعصف بوجوههم الريح الشديدة فيختبئ الصغار تحت أذرع امهاتهم، حتى تهدأ الريح العاصفة قليلًا ومن ثم يعاودن اللعب من جديد.

كل صباح يتقافز الصغار بين أكوام الأحجار العالية يلهون تارة، يجلسون بين التراب وبقايا الملابس الممزقة تحت أنقاض المنزل يحاولوا البحث عن مُقتنياتهم وألعابهم تارة أخرى.

تضحك «شهد» في براءة، تلك الطفلة التى لم تتعد السابعة من العُمر، عندما عثرت على بقايا لعبتها «العروس» التى غطى التراب ملامحها، لتصرخ لأمها «ماما ماما لقيت عروستى» فتبتسم الأم "لبنى"، نصف ابتسامة تحبس الدموع بمقلتيها لتستجمع قواها أما صغيرتها.

بمحيط الهدم، يبق الوضع كما هو عليه، تعلو الأحجار والأسلاك وقطع الحديد الحادة الطريق، يختفى رجال الأمن، ولا يوجد رائحة لمسؤلِ واحد يتجول داخل المنطقة التى ظللنا بها فيما يقرب من خمس ساعاتِ متواصلة.

تحتضن «لبنى محمد» رضيعتها ذات الشهرين وتستلق على أحد الأحجار بين أنقاض منزلها، ترتشفُ من كوب الشاى رشفة صغيرة ثم تضعها جانبًا وتوزع نظراتها على بقايا منزلها الذى تحول إلى فُتاتْ فتعاود النظر إلى ابنتها تُقبلها من جبينها وكأنها تستمد من تلك القُبلة قوتها من جديد.

بصوتِ بالى أخبرتنا "لُبنى" بأن المسؤلين منذ استخراج أخر جثة من تحت المنزل، لم يظهر منهم أحد وتٌكمل: «أخدنا البطانية والـ100 جنيه، والمسؤلين فص ملح وداب، إحنا بالشارع من يوم ما بيتنا اتهد وجسمى وبتاخدنى الجارة حبة والتانية حبة، بس مبيغمضش ليا جفن والألم والحسرة زى الشوك فى عينى».

وأردفت: «احنا طول النهار فى الشارع وجوزى سهران قدام الباب يحرسنا، نعمل إيه»، فتضحك في أخر حديثها «نعمل زى كاركون فى الشارع يعنى».

بعض شهود العيان كشفوا عن وجود أسرة كاملة داخل "مكتب"، فأخذتنا الأقدام إلى الطريق إليهم، فهُنا ما بين تلك الحارات الضيقة شقة يلون بابها باللون الأسود ورُبما يعكس حُزن من بداخله، لا يتعدى الخمسون مترًا، وأخبرنا الجيران بإن عائلة "ممدوح" بزوجتة وطفليه يسكنان فيها.

بالطرق على الباب ثلاثا أطل وجه طفل لم يتعد العاشرة من عُمره مذعورًا.. «مش هنسجل لاء.. وبابا وماما مش موجودين ليختبأ وراء الباب بعد أن غلقه».

عُدنا لشارع "السوق" مرة أخرى، نتسأل عن باقى الأهالى أين يسكنون؟ لتُخبرنا الحاجة فاتن: «كل واحد بيروح يقعد عند بنته أو ابنه شوية ويجى الشارع شوية، أصل مفيش بيت هيتحمل ناس تانية كل شقة فيها اللي مكفيها».

وتابعت: «احنا في الشارع من يوم 12 ديسمبر، بيتنا بسه واقف متهدش والبيت اللي جنبي اتهد، وبناخدعيلة لُبنى وناس تانية نبيتهم عندنا بس وإحنا مرعوبين، الشرطة ورئيس الحى جه قالنا البيت هيتنكس اطلعوا برا مرضيناش».

واستكملت: «بقالنا 23 يوم بالشارع، طلعونا من الدار بالعافية ونفسى من يومها تاعبنى، قالولنا مش مسؤلين عن اللي بيحصل فطلبنا منهم يدونا سكن يضلل علينا من البرد سدوا ودانهم ومشيوا من يومها».

«ليلة ورا ليله مرمية أنا وعيالى بالشارع طول الليل، حتى الطوب رئيس الحى قالنا هاتو فلوس وإحنا نشيله».. التقطت طرف الحديث «أم مصطفى»، التى هرولت إلى كاميرا "أهل مصر" بذُعر تقول «لأجل النبى ألف مرة تساعدونا، أحنا مبنامش والبيت دا هيقع علينا ومحدش سائل فينا»، لتعاود ببكاء ينهمر من قلبها وليس عينيها: «لأجل النبى كلموا المسئؤلين ينجدونا معايا بنات إلهى يستر عرضكم، البيت بيجى عليه الليل بيضلم ابنى بيخاف ينزل بيقولى طلى عليا من البلكونة أنا خايف».

واختتمت حديثها بعد أن هربت دموعها «هما عاوزين يجوا ياخدونا جثث طيب يقولولنا».

وسط حديث النساء الذى اجتمعن لينصبن دائرة حولنا يعزين حالهن، ويدعون على رئيس الحى تارة ويدعون لبعضهن تارة أخرى، بمقدمة إحدى المبانى المُتهالكة يجلس الحاج شعبان الذى أصابه الهرم وتخطى حاجز السبعون، على كرسي من الخشب فى الجهة المقابلة لمنزله المتهدم، يرتدى ملابس مهترئة، يقبض على عصا خشبية يستند عليها رأسه، يرمق حطام منزله بنظراتِ صامتة، ثُم ينظر إلينا ويستقر بنظره أرضًا، ليكسر صمته قبل رحيلنا بدقائق، قائلًا: «ربنا معاكم ومعانا يا بنتى».

نقلا عن العدد الورقي.