المجاهرون بالفطرٍ.. وفقه الدواعش!

محمد أبو العيون

11:41 م

الخميس 16/مايو/2019

حجم الخط A- A+

أشهر العناترة سيوفهم، وأقسموا أنها لن تعود إلى أغمادها إلا بعد أن يستجيب لهم المجتمع ويرضخ لمطالبهم بتطبيق عقوبة بدنية على كل من يُضبط مجاهرًا بالفطرٍ في نهار رمضان، ولم يكتفوا بهذا بل أضرموا نيران حرب تلاسنية ضروس ضد المفطرين، وراحوا يحرضون العامة كي ما يفتكوا بكل مفطر وصموه بـ«المذنب» دون معرفة الأسباب التي دفعته إلى هذا الفعل..!!

ولأن المسألة تحتاج إلى نقاش هادئ وطرح عقلاني نخاطب من خلاله أولي الألباب، فنحن في حاجة ماسةٍ أولًا إلى الإجابة على سؤال هام: هل كل مفطرٍ مذنب؟ والجواب يحتاج إلى تفصيل، لأن التعميم قياس خاطئ؛ فهناك أصحاب الأعذار الشرعية، مثل: المرضى والمسافرين، وقد أبيح لهم الفطر في نهار رمضان بنص شرعي، يقول فيه المولى عز وجل: «وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» (البقرة: 185)، وهناك النسوة الحيض، والحوامل اللاتي أمرهن الطبيب بالفطرٍ، والشيخ والشيخة البالغين من العمر أرذله، وهناك غير المكلفين، مثل: الأطفال والصبية دون سن البلوغ، وفاقد العقل (المجنون).

والثابت في شريعتنا الإسلامية الغراء، أن الله جل وعلا حين أباح لهؤلاء الفطر لم يلزمهم إذا أرادوا أن يأكلوا أو يشربوا الاستتار عن أعين الناس، وأكد على هذا المعنى بتذييل إلهي بلغ منتهى غايات الرحمة، قال فيه: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ».. الله أراد بهؤلاء اليسر، وأبى آخرون إلا العسر.

وممن أبيح لهم المأكل والمشرب وقتما شاؤوا، وكيفما شاؤوا، غير المسلمين، من أصحاب الديانات الأخرى، سماوية كانت أم وضعية أو حتى اللادينين، وهذا حق مكفول لهم وأي تقييد له مخالف للشريعة الإسلامية، وأنا هنا أتحدث عن تشريعات، ولا أقصد بأي حالٍ من الأحوال أعراف اعتاد فيها غير المسلمين مراعاة مشاعر إخوانهم المسلمين في نهار رمضان، كنوعٍ من المشاركة المجتمعية؛ فالتشريع شيء، والعرف شيء آخر.

وهذه الصنوف التي ذكرتها على سبيل المثال لا الحصر، وجميعهم غير مذنبين بفطرهم؛ أما المذنبون بتركهم فريضة الصيام فهم المسلمون من غير أصحاب الأعذار الشرعية، وهؤلاء صنفين، أحدهما: تارك للفريضة تكاسلًا، والآخر: تارك لها جحودًا، وكلاهما مذنب ويستوجب عقوبة بنص التشريع الإسلامي، ولكنها عقوبة أخروية وليست دنيوية، يعاقب بها الله عز وجل وحده -وإن شاء عفا برحمته ليس لنا في هذا الأمر شيء-، ولم يُؤتى أي بشر هذا الحق الإلهي، وهنا يجب أن نفرق بين أحكام التبليغ التي أوحى الله بها إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأمره أن يبلغها الناس، وبين أحكام الإمامة والسياسة الشرعية؛ فأحكام التبليغ أو التشريع الإلهي لا تنص على معاقبة المسلم التارك للفريضة تكاسلًا، وكذا لا تنص على معاقبة المسلم التارك لها جحودًا، حتى وإن بلغ هذا الجحود حد إعلانه ردته عن الإسلام.

والحقيقة أنني لا أجد تفسيرًا لهذه الحرب الشعواء التي يشنها البعض ضد المجاهرين بالفطر في نهار رمضان، سوى أننا ابتلينا بفكر داعشي عشعش في أدمغة هؤلاء، وهذا الفكر المتطرف لم يقف أصحابه عند حد الجدل العقيم حول مشروعية معاقبة المجاهر بالفطرٍ في نهار رمضان من عدمه، ولكنه ساد في أكثرية شؤون حياتنا إلم يكن جميعها، والخطر الحقيقي الذي نواجهه الآن هو سعي معتنقي هذا الفكر الداعشي -وبكل قوةٍ- لفرض تطرفهم على المجتمع المصري.

والمضحك في الحجج التي يسوقها هؤلاء والتي يعتبرونها مسوغًا يبيح لهم فرض عقوبة على المجاهرين بالفطر في نهار رمضان، قولهم: إن المجاهرين بالفطر يجرحون حرمة الشهر الكريم -وكأنه شكى إليهم جرح حرمته-، وأن المجاهرين لا يراعون مشاعرهم، ويجدون مشقةً في الصيام وسط هذه الأجواء المنحلة، ولا ريب أن هذه حجج من يعبد الله على حرف كما وصف القرآن، وهي أيضًا حجج من يقيم الفرائض على سبيل العادة وليس العبادة، وكلها أقوال لا ترقى لأن تُعد دليل شرعي يمنع الناس من المجاهرة بالمأكل والمشرب.

وبعيدًا عن الحجج المضحكة التي يسوقها من يطالبون بتطبيق عقوبة على المجاهرين بالفطر في نهار رمضان؛ فإن عظمة الالتزام بالفرائض يتجسد في المجيء بها لله وحبًا في إطاعة أمر الله، دون اكتراث بالتزام من حولنا أم عدمه، لأن الله لا يريد منافقين يلتزمون بالصوم ويؤدون الصلاة وغيرهما خوفًا من العقوبة، الله يريد مؤمنين يعبدونه حبًا فيه وطلبًا لرضاه.

والأهم هنا: كيف يبيح الله حرية الاعتقاد للجميع، ولم يأمر بمعاقبة من يرتدون عن الإسلام، وفي الوقت ذاته يأتي البعض ليقنعنا أن الخالق جل وعلا أمر بمعاقبة من يجاهر بالفطر؟ أي عقول تستوعب هذا التضاد. إن الإسلام الذي لا يعرف قتل المرتد، لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يشرع عقوبات تُجبر الناس على الالتزام بتشريعاته، ولذا فإن ما يدعو إليه هؤلاء المعتنقين لفقه الدواعش يندرج تحت بند الخزعبلات التي تسيء إلى هذا الدين الحنيف، هؤلاء يريدون أن يعبد الناس الله خوفًا من تطبيق العقوبة الدنيوية، لا حبًا فيه، وهم ينحون هذا النحو لأنهم منشغلون بالظواهر ولا يفكرون في إصلاح البواطن.

ولأننا نخاطب العقول، وندعو إلى نشر الإسلام الصحيح، والإقلاع عن نشر الفكر الداعشي، نقول لهؤلاء: ائتونا بدليل واحد من القرآن والسنة النبوية الصحيحة تشرع لمعاقبة المجاهر بالفطر في نهار رمضان، بل إننا نسألكم: هل هذه العقوبة التي تدعون إليها طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من خلفائه الأربعة؟ والجواب المعتاد هذا ما وجدناه في تراثنا وأجمع عليه الفقهاء، وردنا على هذا الجواب المستهلك: التراث اجتهاد بشري نقدره ونُعلي شأن أصحابه، ولكننا لا نقدسه ونأخذ منه الصواب ونترك الخطأ.. التراث ليس دينٌ نتعبد به.

مقالات أخرى للكاتب.. متى يُشكل السيسي "نخبة إنقاذ الوطن"؟!

أمةٌ بلا عقل.. أمة بلا هوية!!

لماذا أنهى الأزهر تكليف كاتب بيان المشيخة ضد الإخوان وانتدب بديلًا له؟

موضوعات متعلقة