صندوق صور .. !!

حسام ابو العلا

01:01 م

الإثنين 20/مايو/2019

حجم الخط A- A+

لست أدرى لماذا كانت تداهمني دائما هواجس بأن السعادة التي أعيشها بين أسرتي الصغيرة لن تستمر طويلا على الرغم من أنه لم تكن هناك مؤشرات توحي بأنني على أعتاب كارثة، كنت وشقيقاي الأصغر ننعم بدفء وحنان الأم التي كانت تكرس وقتها لنا، بينما كان أبي يغيب في عمله لفترات طويلة لكنه يحاول في الوقت الذي كان يقضيه بيننا أن يبث السعادة في نفوسنا.

سعت أمي جاهدة لإقناع أبي بشراء قطعة أرض لبناء بيت وترك الشقة التي نستأجرها بعد أن ضاقت بنا، لكنه لم يكترث بكلامها وأهدر أكثر من فرصة ثمينة لشراء أرض في مواقع مميزة ، وبعد سنوات من الإلحاح استجاب أخيرا لرغبتها وبدأ في بناء الدور الأول على أرض اشتراها في حي جديد بمدخل المدينة.

كانت أمي في سعادة غامرة وبدأت في الترتيب للانتقال إلى "البيت الجديد" كانت تلملم كل صغيرة وكبيرة فأشفقت عليها من الإرهاق وطالبتها بالراحة وأنه لا داعي للتعجل.. فردت، والابتسامة تعلو وجهها، بأنها تخطط لقضاء العيد في "البيت الجديد"، وسوف تقيم وليمة كبيرة وتدعو أشقاءها الذين كانت تحبهم كثيرا وتحرص على زيارتهم وتقابلهم بترحاب شديد عندما يأتوا لزيارتنا، كنت أراها أكثر صدقا وتفاني في حبها لهم، ومن فرط هذا الحب كانت تضع صورهم في مراحل مختلفة من أعمارهم على جدران شقتنا القديمة، وعندما كانت تطالبني بإزالة التراب من على إطارات هذه الصور كنت اعتبرها مهمة شاقة فأنا دائما أراها صورا عديمة القيمة لكنها لأمي بمثابة ثروة لا تقدر بثمن.

كنت أسمع كثيرا عن عائلة أمي الثرية لكن لم ألاحظ عليها ولا على شقيقاتها مظاهر لهذا الثراء، عندما كنت أجلس مع أبناء خالاتي الكبار في المناسبات كانوا يتحدثون دائما عن أن جدي ترك ثروة ضخمة ما بين أراضٍ زراعية ومشاريع تجارية لكنها كانت بقبضة خالي مهندس الري.. ورغم حرصي على مرافقة أمي في كافة تنقلاتها وارتباطي بها لانشغال والدي فى عمله، فقد كنت أكره اليوم الذي تصطحبني فيه لزيارة خالي، فلم أكن أشعر نحوه بالحب أو دفء المشاعر، كانت زوجته متعجرفة، وكنت أرفض اللعب مع أبنائه، وفشلت محاولات أمي المستميتة فى أن تجذبني نحوهم وكنت أطالبها بعد الزيارة بدقائق بالانصراف سريعا.

استيقظت يوما من النوم على صوت أمي تطالبني بمساعدتها في نقل صندوق ثقيل جدا سيكون ضمن المنقولات للبيت الجديد، استفسرت منها عما بداخله فقالت إن به صور أشقائها .. رشقتها بنظرة حادة غاضبة فقابلتني كعادتها بابتسامة هادئة قائلة: "لما تكبر بكرة تعرف يعني أيه أخ".

تمنيت مرور الأيام سريعا لتنتهي الفوضى التي تحاصرني، وعندما لاحظت أمي ضجري قالت إن أبي اتفق مع سائق سيارة لنقل الأثاث بعد أسبوع، وبعد يوم شاق استغرقت في سبات عميق إذا بوالدى يوقظنى فى منتصف الليل، كان مرتبكا وهو يطالبني بأن أبقى بجوار أمي حتى يذهب لإحضار الطبيب، سألته مذعوراً عما حدث فقد كانت منذ ساعات قليلة فى أفضل حال، تلعثمت الكلمات بين شفتيه، فلم أفهم منه إلا قوله إنها تتنفس بصعوبة.

جلست بجوارها أقبل جبينها ويديها، كان كل جزء بي يرتعش بقوة وأنا أستمع إلى صوتها الذى أصابه الوهن فخرج من فمها ضعيفا خافتا وهى تحملنى أمانة العناية بشقيقي الصغيرين، كان صوتى يحمل ذعر الدنيا وأنا أقول من بين دموعى التى انهمرت على وجهى كالشلال: "كلها كام يوم ونروح البيت الجديد ونفرح كلنا هو في حاجة في الدنيا ليها طعم من غيرك يا حبيبتي؟".. ردت بأنفاس متقطعة: "مبروك عليكم".

فشل أبي في العثور على طبيب فى هذه الساعة المتأخرة من الليل، فقرر نقل أمي للمستشفى الحكومي القريب من بيتنا، نهرني عندما رجوته أن أذهب معه وطالبني بأن انتظر في المنزل حتى لا يفزع شقيقاي لو استيقظا ولم يجدا أحدا، شعرت بقشعريرة تتملك جسدي.. وماهي إلا دقائق حتى سمعت صراخ والدي في الشارع ينادي علي وهو يبكي "أمك ماتت ".

وفيما يشبه الموكب الجنائزي أصر أبي أن ننفذ رغبة أمي بالنقل للبيت الجديد ثم جاء العيد لكن بدون من كان كل يوم معها هو بمثابة "عيد".

مرت شهور بعد وفاة أمي ولم يزرنا أحد من أشقائها، لكن أبي بدد تعجبي سريعا عندما قال إنهم يخشون غضب خالك عليهم بعدما هددته بأنني سأقاضيه لرفضه منحكم ميراثكم من والدتكم.. لم استطع النوم في هذه الليلة إلا بعد أن حملت "الصندوق" الذي كان يضم صور أشقاء أمي وألقيته في "صندوق القمامة".

موضوعات متعلقة