المال أو المهاجرين: كيف استغل داعش الساحل الليبي لابتزاز أوروبا؟

ads

دراسة: زينب مصطفى رويحة

07:29 م

الأربعاء 04/سبتمبر/2019

المال أو المهاجرين: كيف استغل داعش الساحل الليبي لابتزاز أوروبا؟
الباحثة زينب مصطفى رويحة
حجم الخط A- A+

نظرًا لفراغ مقعد السلطة السياسية في ليبيا منذ أحداث 2011، وما أعقبه من أحداث تتمثل فى مواجهات الجيش الوطنى الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، لميليشيات حكومة الوفاق، استغلت التنظيمات المتطرفة وفي القلب منها "داعش" تلك الأحداث للحصول على اللوجستيات ونجحوا في تكوين وجود إقليمي قوامه المقاتلون العائدون من سوريا كما عمل على استقطاب أفراد من ليبيا ودول أوروبية وتنفيذ عمليات تدريبية لهم هذا بجانب العديد من التنظيمات الإرهابية الأخرى بحيث أصبحت ليبيا بؤرة لمختلف التنظيمات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة والمهربين, والذين لهم تأثير بدورهم على زيادة اضطراب الأمن. كما سهلت كيانات محلية متواطئة مع الجماعات المتطرفة العالمية مثل لواء حرس الحدود في جنوب غرب ليبيا تحرك هذه المجموعات العابرة للدول وتأمين عمقها الاستراتيجي.(2)

استراتيجية الجماعات الإرهابية في ليبيا
في إطار سعي التنظيمات الإرهابية والمهربين إلى تأمين تواجدهم في ليبيا وضعوا آلية منظمة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب بالضغط على كل الأطراف، وفق شعار "اعطونا مزيد من المال أو اتركوا المزيد من الناس إلى البحر" والتي ظهرت بصورة واضحة على النحو التالي: (3)

1) الأوضاع الأمنية المضطربة
استغلت الجماعات الإرهابية الأوضاع الأمنية السيئة ومساحة الصحراء الواسعة وغياب سلطة حقيقية للتمركز والتغلغل في كافة أنحاء الدولة لتنفيذ نشاطاتها المسلحة وتجنيد الشباب وتسليحهم وتوجيه ضرباتها الإرهابية نحو أوروبا؛ في إطار سعيها إلى تحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية من أجل تمويل عملياتها الإرهابية وفي سبيل ذلك اتبعت أساليب عصابات المافيا تحقيقا عن طريق فرض الغرامات على البنوك والوزارات والهيئات الحكومية، وأيضا اقتحام المصرف المركزى لنهب أرصدته، كما اشتبكت فى صراعات دموية على مناطق النفوذ وتسببت في إطالة أمد النزاعات المحلية واستفحالها.

2) استخدام ملف اللاجئين كورقة ضغط على أوروبا
تعتبر ليبيا منفذ رئيسي للهجرة غير الشرعية والتي يقصدها القادمين من دول أفريقية نحو أوروبا، وبالتزامن مع غياب الاستقرار منذ سقوط نظام معمر القذافي تزايدت شبكات تهريب البشر إلى دول أوروبا عبر البحر المتوسط، كما تفاقمت موجات تدفق اللاجئين والمهاجرين القادمين من مناطق صراعات في الشرق الأوسط إلى أوروبا منذ عام 2011؛ حيث فقدت اليونان وإيطاليا القدرة على مراقبة الحدود والحفاظ على نظام الفحص للقادمين من تركيا وليبيا ما سمح لمئات الآلاف من طالبي اللجوء والمهاجرين وآخرين بعبور الحدود نحو النمسا وألمانيا والسويد، وفي نفس الإطار ووفقا للحكومة الألمانية فقد ذكرت أنه بحلول عام 2020 فإن 3.6 مليون لاجئ سيصلون إلى ألمانيا، الأمر الذي سينعكس على بلدان الاتحاد الأوروبي ويهدد تماسك الاتحاد الأوروبي الذي وضع على رأس قائمة أولوياته مواجهة أزمة اللاجئين وتقديم الدعم لهم بكل أشكاله ومراقبة الحدود. (4)

وفي إطار سياسة عمل التنظيمات المتطرفة، تعاون تنظيم داعش مع المرتزقة التشاديين الذين يهاجمون الجنوب الليبي، من أجل الضغط على أوروبا لتحقيق مصالحه ونتيجة خشية المجتمعات الأوروبية من تسرب العناصر الإرهابية إلى أراضيها اتجهت إلى التفاوض مع السلطة في ليبيا لوقف هجماتها، وهو ما استغلته تلك التنظيمات الإرهابية من خلال المساومة على ملف الهجرة واللاجئين؛ حيث هددت داعش أنها ستغرق أوروبا بأكثر من نصف مليون لاجئ من ليبيا عبر تركيا.

3) استغلال تنظيم داعش لمخيمات اللجوء ومراكز المهاجرين في ليبيا
يوجد داخل ليبيا 34 مركزا لاحتجاز المهاجرين غير الشرعيين في طرابلس ومصراتة، بالإضافة إلى 24 مركزا لاحتجاز اللاجئين تديرها إدارة هيئة مكافحة الهجرة. وهناك مراكز تخضع لسيطرة مجموعات مسلحة تحتجز فيها المهاجرين فلا تتمكن الحكومة الليبية من ضبطها أو السيطرة عليها، وهى مراكز تفتقر لأدنى مستويات حقوق الإنسان؛ حيث يتعرض الأفراد لمختلف أنواع الابتزاز والاستغلال والعنف الجسدي والجنسي، من أجل الضغط على عائلاتهم لإرسال الأموال للإفراج عن أقربائهم.

كما يتحكم تنظيم داعش في عملية التهريب ويستفيد من عائداتها المالية الكبيرة، معتمدا في ذلك على نفوذه وسيطرته على أهم الشواطئ والموانئ الليبية التي يستخدمها المهربين للهجرة نحو أوروبا، ومن جانب أخر يقوم التنظيم بفرز المهاجرين القادمين إلى ليبيا ويختار منهم أفراد يقوم بتجنيدهم ليقاتلوا ضمن صفوفه مقابل إغرائهم بالأموال، ويرسلهم إلى مصراتة بعد تدريبهم في الجنوب.(5)

4) تسلل داعش عبر السواحل الليبية إلى أوروبا وإيطاليا، وسط مخاوف من وصول عناصر داعش وتهديدهم أمن إيطاليا
تمكن تنظيم داعش في عام 2016 من السيطرة على مكتب جوازات في مدينة سرت وقام بالاستيلاء على وثائق السفر وتزويرها وتقديم أنفسهم على أنهم جرحى من الجيش الوطني، لأجل الوصول إلى مشروع التأهيل الصحي في إيطاليا التي تشرف عليه حكومة الوفاق الوطني، وأشارت المخابرات الإيطالية إلى أن عددا من مقاتلي داعش قد تسللوا بهذه الطريقة بمساعدة شبكات إجرامية.
وهذا ما أكده وزير الخارجية الإيطالي "أنجيلينو ألفانو" فى فبراير 2018، بــــــ "إن تنظيم داعش عاد إلى العمل كمنظمة إرهابية عابرة للحدود" وأكد على ضرورة وقف قدراتها التمويلية.

5) ممارسة الضغوط على الحكومات الداعمة للجيوش الوطنية
دوما ما يهدف التنظيم إلى وقف التعاون بين الجيش الوطني والداعمين له، وهذا ما يؤكده استعانة ميليشيات مصراتة وطرابلس بمجموعات مسلحة من شمال تشاد للضغط على الرئيس التشادى "إدريس ديبى" ومنعه من التقارب مع المشير خليفة حفتر، كما تصاعدت ظاهرة تواجد جنود وعناصر مسلحة من دول أجنبية فيما يعرف بـ"المرتزقة الأجانب" وهم من دول خارجية تربطها مصالح مع الجيش الوطني لأجل ردعها، بالإضافة إلى تحالفها مع العصابات الإجرامية، الذين جرى تجنيدهم واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، لأسباب عديدة منها إخماد الاحتجاجات، ودعم الميليشيات الموازية فى مواجهة الجيوش النظامية، والاستحواذ على الموارد الاقتصادية خلال الصراعات المسلحة، وممارسة الضغوط على الحكومات الداعمة للجيوش الوطنية.

المساعي الدولية لمواجهة الجماعات المتطرفة في ليبيا


في إطار المواجهات بين حكومة الوفاق ضد الجيش الوطني الليبي، وجدت الجماعات الإرهابية مثل القاعدة وأنصار الشريعة والجماعات الإرهابية الليبية المقاتلة بالإضافة إلى مهربى المهاجرين أمثال عبدالرحمن ميلاد - قائد في خفر السواحل الليبية- الفرصة سانحة أمامها لعرض دعمها للسراج ضد الجيش الوطني الليبي من أجل تحرير طرابلس بهدف الحصول على شرعية ونفوذ أكبر بواسطة حكومة الوفاق إلى جانب منح الدعم المادي التي خصصتها الحكومة للميليشيات وهو ما أثار قلق الاتحاد الأوروبي لمشاركة عناصر إرهابية وإجرامية.(6)

كما هدد رئيس حكومة الوفاق فايز السراج صراحة بأنه "إذا سقطت طرابلس، فعلى أوروبا أن تتوقع هجرة 800.000 بينهم مجرمون وإرهابيون ودواعش"؛ حيث أن ليبيا لم توقع على اتفاقية جنيف للاجئين، وعلى خلفية هذه التصريحات؛ سعت الدول الأوروبية دوما إلى احتواء الأزمة في ليبيا والوصول إلى اتفاق صلح بين الجهات المتصارعة لتجنب الأخطار والتهديدات التي يجلبها استمرار الصراع من تدفق موجات اللاجئين وتسلل الإرهابيين إلى أراضيها وتخوفًا من ازدياد نشاطهم على الأراضي الأوروبية، بالإضافة لذلك فإن ليبيا تضم واحدا من أكبر مستودعات الغاز مما جعلها مقصد لجميع الأطراف لحماية مصالحهم، وانقسمت الدول الأوروبية في دعمها بين رئيس حكومة الوفاق وبين الجيش الوطني. (7)

وتأسيسا على ذلك اعتمدت العديد من الدول الأوروبية العديد من السياسات التي من شأنها مواجهة تلك الجماعات، مثل فرنسا، التي تعد فرنسا أبرز الفاعلين الأساسين في الأزمة؛ حيث تمتلك أصولاً نفطية بالشرق الليبي من خلال "شركة توتال" وترغب في تأمين مصالحها من خلال الوصول إلى اتفاق بينهما ودائما ما تؤكد دعمها لحفتر وضرورة الحل السلمي. أما إيطاليا فهي تمتلك أصول نفطية فى الغرب من خلال "شركة إينى"، وتنحاز إلى السراج وللميليشيات المسلحة الداعمة له.

على الجانب الروسي فقد أنشأت موسكو علاقات قوية مع المشير حفتر، وتولت علاج جرحى عمليات الجيش، وسمحت لشركاتها الخاصة العسكرية والأمنية "RSB وWagner" بالعمل شرق ليبيا، وتيسير استثمارات شركاتها العاملة فى مجال النفط والغاز، وتحولت أمريكا من توجيه الدعم للسراج إلى حفتر في معركته ضد الجماعات المتطرفة.

ومن أجل رفع التحدي والتهديد الذي تشكله الهجرة، تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم الأموال والدعم لليبيا لبناء مراكز احتجاز المهاجرين، بالإضافة إلى منح أموال كبيرة للمشروعات المتعلقة بالهجرة في ليبيا بواسطة الصندوق الاستئماني للطوارئ التابع للاتحاد الأوروبي, ولهذا قام بإطلاق ""NAVFOR MED Operation Sophia في يونيو 2015 بهدف تعطيل الأعمال التجارية لشبكات التهريب في وسط البحر المتوسط، كما تشمل حاليا تدريب خفر السواحل الليبي، ورصد ومراقبة الحدود البحرية لوقف صادرات النفط غير القانونية من البلاد والمساعدة في تنفيذ حظر الأسلحة المفروض من الأمم المتحدة على المياه البحرية لليبيا. (8)

المراجع:
1) https://www.zeit.de/politik/ausland/2019-07/libyen-fluechtlinge-asylpolitik-menschenrechte-eu-seenotrettung?fbclid=IwAR11jtGhht_7-8uhBjOyHgMIeN5YO13MQL4K6FOtJK14dMenp9L8tjNCk2k
2) https://al-ain.com/article/desert-saraya-called-libya-supported-turkey
3) https://www.elwatannews.com/news/details/4132342
4) https://carnegie-mec.org/2017/03/30/ar-pub-68476
5) https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=24062019&id=75a0e76c-133d-4e78-8983-3573be2aa5d4
6) https://daserste.ndr.de/panorama/archiv/2019/Fluchtursachen-Wie-Europa-Konflikt-in-Libyen-schuert,fluchtursachenlibyen100.html
7)https://www.europarabct.com/%D8%A5%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%AE%D8%A7%D9%88%D9%81-%D9%85%D9%86-%D8%A5%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%84%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8/
8)https://www.kas.de/web/auslandsinformationen/artikel/detail/-/content/scheiternder-staat

موضوعات متعلقة