هل تمثل ظاهرة الإسلام السياسي بديلًا لـ"الشمولية الحديثة"؟

ads

زينب مصطفى رويحة

09:12 م

الإثنين 16/سبتمبر/2019

هل تمثل ظاهرة الإسلام السياسي بديلًا لـالشمولية الحديثة؟
الباحثة زينب مصطفى رويحة
حجم الخط A- A+

أثارت هجمات الحادي عشر من سبتمبر العديد من التساؤلات حول ما إذا كانت "ظاهرة الإسلاموية" هي الصورة الحديثة للشمولية في العصر الحالي بعد الاشتراكية القومية والاستالينية أم لا؟ وهذا ما ظهر بصورة واضحة من خلال وجود تشابه عقائدي وأيديولوجي بينهم يتمثل في التمسك بمبادئ الرأى الواحد المطلق وتقليص الفرصة لوجود أفكار مغايرة واستخدام أساليب متطرفة لتطبيق استراتيجيتها التي قد تلجأ في بعض الأحيان إلى العنف بمختلف صوره.

وبالرغم من أن الشمولية تمثل أحد أشكال الديكتاتورية المنبثقة عن أيدلوجية مغلقة ومركز موحد للقوة وتعبئة المجتمع، فإن ظاهرة الإسلاموية هي مصطلح جماعي لكل المواقف والأفعال التي تسعى باسم الإسلام إلى إقامة نظام اجتماعي ونظام شرعي ديني بحت مما يرقى إلى ثيوقراطية ديكتاتورية تنتهج نفس مبادئ النظام الشمولي.

واستكمالًا لنهج الشمولية الغربية التي تبنتها العقيدة الاستالينية والنازية من قبل، استمر وجود جماعات اليمين المتطرف وهي تشتمل على الكتل الحزبية السياسية التي تدعو إلى حماية التقاليد والأعراف داخل المجتمع، وذلك عن طريق التدخل القسري واستخدام العنف والسلاح لفرض تلك القيم. وجاء ذلك الاستمرار نتيجة للظروف التي عصفت بالبيئة الدولية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية كرد على محاولات النيل من كيان النظم السياسية أو الدول بأكملها، ويتبنى هذا التيار نزعة متطرفة معادية للمسلمين واليهود والأجانب المهاجرين، ولديه تمسك متطرف بالقيم الوطنية وبالهوية السياسية والثقافية واللغوية.

ومن هنا جاء الربط بين جماعات الإسلام السياسي وجماعات اليمين المتطرف، خاصة في الفترة الأخيرة إثر صعود كلا التيارين حتى الوصول إلى سدة الحكم في بعض الدول، وتحقيق الكثير من المكاسب السياسية، والمشاركة في البرلمانات واتخاذ القرارات المصيرية للعديد من الدول، أو من خلال جماعات العنف والتطرف.

القواسم المشتركة
هناك الكثير من العوامل المشتركة بين التطرف اليميني والإسلام السياسي المتطرف تجاه تشكيل إيديولوجية مشتركة. ويرجع ذلك أيضًا إلى حقيقة أن لديهما جذورهم في مناطق مختلفة جغرافيًا وتطوروًا بشكل مختلف مع مرور الوقت وتتمثل في:
أولا: الاستبدادية وتمثل القاعدة الأساسية في مبادئ كلا من التيارين؛ حيث يجب أن يخضع الفرد للجماعة السياسية ولا يخرج عنها، إلى جانب ذلك فهما يسيران جنبًا إلى جنب في النظر إلى الغرب باعتباره عدو يتآمر على كلا منهما والتركيز على نظرية المؤامرة وافتعال دور الضحية من أجل تعبئة المؤيدين بشكل دائم.

ثانيا: بالنسبة لجماعات الإسلام السياسي فهي صورة للإسلام الرجعي، فهي ضد مجتمع يقوم على أسس الديمقراطية وحقوق الفرد والمساواة، كما أنها تحكم وفقًا لتفسيرها الخاص للإسلام وهنا تتقاطع مع المتطرفين اليمينيين الذين يرون أن الأساس هو التجانس العرقي دون كافة الانتماءات حتى القومية.

ثالثًا: يرفض كلا منهما الشيوعية السوفيتية وأيضا الرأسمالية باعتبارها نموذجا يهوديا ويتبنيان نموذج سياسي رجعي لا يشمل الأقليات، بالإضافة إلى إنكار الحداثة ويقسمون العالم إلى الخير والشر. 

رابعًا: الاشتراك في إنكار الهولوكوست ومعاداة اليهود؛ حيث تقام دعاية ضدهم بتحريض من قبل كلاهما. وهذا ما عبر عنه الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في عام 2006 في طهران، عندما دعا إلى مؤتمر كبير لمنكري الهولوكوست شارك فيه العديد من المتطرفين اليمينيين المعروفين.

خامسًا: تتمثل صورة العدو المشترك بالنسبة لليمين المتطرف الأوروبي على سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريكية ومبادئ العولمة والرأسمالية، مع الحفاظ على موقف أساسي من الكراهية للأجانب والأقليات، وهذا ما أظهره حزب الشعب الاشتراكي السويسري وحزب العدالة والتنمية التركي ذو التوجه الإسلامي.

حدود التقارب والتباعد
في الآونة الأخيرة، تغير شكل المشهد السياسي في أوروبا نتيجة لتداخل عناصر جديدة ساهمت في إعادة هيكلة قائمة الأولويات الأوروبية. وأصبح يُنظر إلى تياري الإسلام السياسي واليمين المتطرف باعتبارهما وجهين لعملة واحدة؛ حيث يعتمد كلًا منهما على الهجمات المتبادلة كرد على الطرف الأخر ومع تصاعد هجمات عنف الإسلامي السياسي تتصاعد حدة اليمين المتطرف وتتوالى التغريدات المعادية للمسلمين، حتى صار اليمين المتطرف بمثابة تحديًا لتيارات الإسلام السياسي العنيف.

وعلى الرغم من ذلك، تتقاطع أيديولوجية اليمين المتطرف مع أيديولوجية الإسلام السياسي وهذا الأمر يمتد منذ القدم؛ حيث كانت تجمعهم علاقات قوية تحقيقًا لمصالح مشتركة، كمثال على ذلك كان “روبرت جوردون كانينغ”، رئيس السياسة الخارجية في "الاتحاد البريطاني للفاشيين"، من أوائل الناشطين الغربيين المتطرفين الذين غازلوا الإسلام السياسي في الثلاثينيات.

وكانت ألمانيا من مؤسسي بداية التعاون مع الإسلامويين، حيث استهدفت قادة الإسلام السياسي كدعاية لنشر وتسويق الآراء والكتابات المعادية للسامية التي نشرها الاشتراكيون القوميون باعتبار اليهود عدو مشترك. وبعد ذلك تم تطوير تعاون أوثق؛ حيث قامت جماعة الإخوان - وهي أولى جماعات الإسلام السياسي - باحتجاجات عنيفة ضد اليهود في عام 1938. كما استقبل هتلر مفتي القدس محمد أمين الحسيني، في نوفمبر 1941 في برلين. واستمر المفتي في الخدمة الدعائية للاشتراكيين الوطنيين وقام بحملات للدخول إلى الجناح العسكري للنازيين Waffen-SS. كما ساهم في منع الهجرة اليهودية من أوروبا.

وفي نفس الإطار يمثل السويسري أحمد هوبر، أحد المناصرين البارزين للتحالف بين اليمين المتطرف والإسلام السياسي، وقام بالتواصل مع كلا النازيين الجدد والإسلامويين. وفي 2018 أشاد رئيس حزب “جوبيك” الهنجاري اليميني المتطرف "فونا غابور" بالإسلاموية باعتبارها حصنًا منيعًا ضد العولمة الغربية وانحدار القيم التقليدية.

وعلى الرغم من ذلك التشابه، فإن التطرف اليميني يستخدم الإرهاب الإسلامي لتدعيم موقفها والتعبئة ضد المسلمين. ومن ناحية أخرى يعمل الإسلامويين على استغلال أزمات الهوية المقترنة بمخاوف وتهميش بسبب النزعات العرقية الموجهة ضدهم لجذب الأفراد المستضعفين إلى شبكاتهم. وتشير الشواهد الميدانية إلى وجود تفاعل ديناميكي بين كلا التيارين؛ حيث أنه في المناطق التي يوجد فيها تركيز مرتفع من التطرف اليميني، يزداد التطرف الإسلامي.

أسباب صعود اليمين المتطرف والإسلام العنيف
على إثر نهاية الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من تفكك لبعض الدول وركود اقتصادي، بدأت عمليات البناء والتعمير وعليه ظهرت الحاجة إلى أيدي عاملة أجنبية وكثرت وفود اللاجئين والمهاجرين، وذلك بالتوازي مع الأجواء الرأسمالية تطلبت وجود طاقة بشرية كبيرة مما يعنيه من وجود أفراد من مختلف البلدان والتي بالفعل كانت تمثل أقلية بالنسبة لباقي السكان، الأمر الذي استغلته التنظيمات الإسلامية للتوجه إلى الدول الأوروبية بحثًا عن مؤطى جديد يساعد على الانتشار، وبتوالي موجات الهجرة من قبل الدول العربية نحو أوروبا، وكثفت الجماعات الإسلامية وخاصة جماعة الإخوان جهودها حتى تتمكن من الاستحواذ على ولائهم لتشكل بذلك قوة كبيرة ذات سيطرة بحجة رعاية مصالحهم، مكونة بذلك النواة الأولى لوجود كيانات الإسلام السياسي في أوروبا.

ونتيجة افتقار وجود مؤسسات ليبرالية يندفع نحوها المسلمين نتيجة تراجع التيار القومي والعلماني، شرع قادة الإسلام السياسي إلى تكوين مؤسسات إسلامية وإنشاء مساجد وهيئات تعليمية تتسم بصبغة إسلامية، ونتيجة تطور الأحداث في أواخر القرن الماضي شهدت أوروبا جيل ثالث من المهاجرين وهم المسلمون الهاربون من الحروب الأهلية وأنظمة الحكم والفقر والمجاعات. وبهذا تصاعدت قوة جماعات الإسلام السياسي وتبنت أفكار تهدف إلى أسلمة أوروبا وتشعبت أذرعها وضمنت ولاء العديد من التابعين وكونت مشاعر سلبية تجاه الغرب واتخذت صيغة الخطاب المعادي.

كيف تُستغل تلك الجماعات الهجمات الإرهابية وهجمات الكراهية وأزمات الهوية في أوساط المنظمات المتطرفة كنتيجة للمتغيرات التي حلت بالقارة الأوروبية؛ ومن ثم كان من الطبيعي تنامي مشاعر البغض لدى الأفراد الذين يتمسكون بالعصبية العرقية ضد الآخرين، حيث بدأ النظر إليهم باعتبارهم غرباء وأجانب ينافسون على الوظائف في البلاد ويزاحمون على باقي الامتيازات، ولذلك ظهرت تكتلات تدعو إلى تضييق الخناق على الأقليات والأجانب والمهاجرين وتنظر بنظرة العدو للمسلمين. وخاصة بعد صعود تيار الإسلام السياسي والإرهاب الجهادي والهجرة الجماعية من العالم الإسلامي، وركز اليمين المتطرف اهتمامه على ملفات الهجرة والاندماج وما يلحقها من عواقب قد تضر بمصالح البلاد تتعلق بأزمات الهوية واختلاف الثقافات، واتخذ من ذلك وسيلة لإضفاء قابلية على خطابه العنصري والمعادي للأجانب لإكسابه حجية أكبر لدى قطاعات أوسع من المواطنين الأوروبيين.

واتخذ اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا نشاط جماعات الإسلام السياسي ركيزة أساسية لدعم خطابها العنصري المتطرف، وزادت حوادث الكراهية ضد المسلمين والأجانب المهاجرين كإحراق المساجد والتحريض على العنف عبر الإنترنت، على سبيل المثال فى عام 2008 قامت عدة أحزاب تنتمي إلى اليمين المتطرف من دول أوروبية في مدينة أنفير البلجيكية بتأسيس منظمة جديدة تهدف إلى مكافحة ما أسمته أفكار الأسلمة التي انتشرت في أرجاء أوروبا، كما تولت الجبهة الوطنية في فرنسا مهمة تصدير خطاب عنصري تهديدي يحذر من تفكك الهوية الوطنية الأوروبية بسبب حملات الهجرة الواسعة. وهو ما قوبل بإقبال متزايد خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. وأيضا حركة "بيجيدا" المعروفة بتطرفها وإشاعتها بذور الحقد والعداء ضد الإسلام والمسلمين.

ونتيجة لذلك ارتفعت نسبة العنف اليميني وزاد عدد الناشطين في المنظمات المتطرفة خاصة بعد تصاعد موجات الإرهاب في الفترة الأخيرة وفق ديناميات التطرف المتبادل، كما قويت شوكة ذلك التيار حتى وصل بعضها إلى المناسبة على الحكم كما في فرنسا، حينما نافست المرشحة ماري لوبان زعيمة الجبهة الوطنية على مقعد الحكم في فرنسا، وفاز جايير بولسونارو عضو الحزب الليبرالي الاجتماعي اليميني المحافظ في انتخابات الرئاسة في البرازيل في 2018، وفي ألمانيا يشكل النازيون الجدد أكبر قوة معارضة في البوندستاج. 

مستقبل الظاهرة
من الجدير بالذكر أن الإرهاب أصبح ظاهرة تهدد للأمن الإقليمي والعالمي، كما يشكل الإرهاب المحلي أحد أكبر التخوفات على الأمن الداخلي، ويعتبر العنف اليميني والعنف الإسلامي من الشواغل الأساسية داخل هيئات الأمن الوطني، فكلًا منهما ينطلق من عقيدة سياسية تنطوي على ضرورة تحقيق أهداف تعمل من خلالها على الاستدراج الممنهج للأفراد من خلال دمج هوية الفرد مع هوية المجموعة، والتي يمكن أن تؤدي إلى حل الهوية الشخصية. ونظرًا لنشاطات كلا الاتجاهين زادت التخوفات من جميع الأطراف حيث يستعد كلًا منهما للرد وتجهيز هجمات استباقية ووقائية، مما يخطر باحتمالية وقوع حرب عرقية أو ثقافية بينما في المستقبل تتوقف على إمكانات كلا منهما وقدرتها على الصمود. 

كما تصاعدت هجمات هجمات الإسلام السياسي مثل هجمات داعش تؤلب مشاعر الغرب تجاه المسلمين مما يعرضهم للنبذ المجتمعي وضعف الهوية وهو ما تستغله تلك الجماعات لتجنيد أفراد جدد تعمل لصالحها، ويساعد أيضًا في زيادة التوترات السياسية والاجتماعية وتسريع ديناميات التطرف المتبادل حتى يمكن إغرائهم للدخول في الشبكات الإسلامية بسهولة أكبر.

ومن جانب آخر؛ يمكن أن يندمج الأفراد في المجتمع ويحدث التعايش السلمي والانسجام داخل المجتمع الأوروبي، من خلال الابتعاد تدريجيًا عن هويتهم الأصلية والانتماء العرقي باعتبارهم في وطن واحد تجمعهم مصالح قومية.

يجب على حكومات الدول الأوروبية النظر في الروابط والتفاعلات بين مختلف أشكال التطرف مواجهة هذا التطرف وتحديد نشاطاته ودمج الفئات المهمشة في كيانات سياسية ليبرالية معتدلة لمواجهة النمو المتزامن للجماعات الإسلامية والجماعات اليمينية المتطرفة بفعالية، وإعادة الثقة في المؤسسات الديمقراطية. 

وهناك حاجة أيضًا إلى نهج شامل للتعامل مع الإرهاب والتطرف لتعزيز فعالية مشاريع المجابهة الفكرية. وبدون منع العنصرية والتطرف اليميني، سيكون من الصعب إيقاف التطرف الجهادي. وعلى العكس من ذلك، لا يمكن معالجة مشكلة العنف القائم على أساس جماعي والمستوحى من التطرف الإسلامي. يمكن للحكومات الوطنية والمحلية، والمجتمع المدني، والمدارس، والأخصائيين الاجتماعيين، والمؤسسات الدينية أن تساعد في زيادة مستوى المواطنين بالمعرفة والثقة والدافع لمنع جميع أشكال التطرف والتعصب والكراهية.

موضوعات متعلقة