ضحايا الغربة.. الموت في سبيل "لقمة العيش".. أهالي الإسكندرية يستغيثون بالسيسي: "أنقذ أبنائنا من سجون إيطاليا ياريس".. شباب الدقهلية يلفظون أنفاسهم الأخيرة على أيدي الميليشيات الإرهابية بليبيا

أهل مصر

كتب: أحمد مرجان ـ إنعام محمد ربيع ـ أسماء ناصر ـ عمروعلى ـ سمر مكي ـ شعبان طه ـ محمد عزام ـ شيماء السمسار

◄أهالي قنا يستقبلون شبابهم في أكفان.. والبورسعيدية يقعون ضحايا لعمليات نصب في دول الخليج

◄ حكاية مهندس بالبحيرة تغرّب ليُحقق حلمه فغاب إلى الأبد.. والآلام أسر ضحايا البحث عن لقمة العيش في المنيا

◄ «عصابات أمريكا» تفتك بـ«شباب الغربية».. والأهالي: «كان حلمهم حياة أفضل والموت لم يتركهم»

الموت في سبيل البحث عن لقمة العيش، جملة تلخص حال المئات من الشباب الذين اضطرهم البحث عن مصدر رزق إلى الهجرة خارج مصر بغية الظفر بعمل يُقيلهم من عثراتهم التي حملتهم إياها أعباء الحياة غير المتناهية، كما يلخص حال آخرين من الكفاءات العلمية الذين آثروا هجران الوطن للبحث عن فرص أفضل، والعامل المشترك بين الفريقين هو أن جميعهم «ضحايا الغربة».

لم يكن هؤلاء الحالمين بحياة أفضل يعلمون أن ثمن الغربة سيكون حياتهم، وأن الموت ينتظر مغادرتهم أرض الوطن ليتلقفهم ويُنهي رحلتهم التي تكبدوا فيها ويلات مفارقة الأهل والأحبة والوطن نهاية مأساوية. «أهل مصر» تُلقي في هذا الملف الضوء على نماذج من ضحايا الغربة.

سجون إيطاليا تحصد زهرة شباب أبناء الإسكندرية

أجبرتهم الحياة علي ترك ديارهم هربًا من واقع صعب يعيشونه، بحثُا عن ملاذٍ لهم خارج الوطن وفرصة لحياة أفضل، ظنًا منهم أن ذلك هو الحل الأمثل للخروج من سجن الفقر وكدّ العيش ومشاقها، إلى سعة الرزق، ورخاء العيش، ورفاهية الحياة، وهو ما سيتحقق بمجرد وصولهم إلى أوروبا، فاصطدموا بالواقع الأليم ليجدوا أنفسهم في سجن أكبر وهو سجن "الغربة" وينتظرهم مصير مجهول، هناك في أقصي شرق الإسكندرية حيث تقع "أبو قير" المنطقة الأكثر نسبة في الهجرة الشرعية بين أبنائها هربًا من شباك الفقر وقلة العمل بين الأهل، غالبيتهم وجد في إيطاليا ضالته المنشودة ومنهم من وجدها في فرنسا أو اليونان، ليتحول حلم الكثير منهم إلي كابوس، بعد أن وجدوا أنفسهم محبوسين فى سجون تلك الدول، بل إن بعضهم لقى حتفه خلف قضبان تلك السجون، بدون أن يعلم ذووهم شيئاً عنهم.

لم تكن واقعة وفاة ابن منطقة أبو قير الشاب "هاني حنفي" التي وقعت مؤخرًا، والتي اشتهرت حينها بـ"ريجيني المصري"، بعدما لقي حتفه داخل سجون إيطاليا في ظروف غامضة، هي الوحيدة من نوعها، لكنها لفتت الأنظار إلي مأساة أبناء تلك المنطقة، حيث كشفت الغطاء عن وجود مئات الشباب من جميع الأعمار، الصغير والكبير، منهم المتزوج ومنهم العازب، في سجون إيطاليا لا يعلم عنهم ذووهم شيئًا، وأصبح مصيرهم مجهول.

مأساة كبيرة يعيشها الكثير من أهالي المنطقة، خصوصًا النساء، يُهيمن عليهم الحزن، في حالة ترقب ليل نهار لسماع أي خبر عن أبنائهن الذين هاجروا بحثُا عن لقمة العيش، وتحقيق حلمهم البسيط فإما للزواج وإما لرفع مستوى معيشتهم ومعيشة أهلهم، أو لغير ذلك من الأسباب، وتم استغلالهم فى مراكب الموت والهجرة غير الشرعية وإغوائهم بالثراء السريع والفاحش بمجرد وصولهم إلى أوروبا، إلا أنهم قد اصطدموا بسلطات وقوانين صارمة، وما يرى منها سوى السجن فى بلاد الغربة بين أربعة جدران، يحلمون بالعودة لتراب الوطن بعد أن علموا أنه خير من الغربة وذهبها.

"ولادنا مسجونين في إيطاليا ومش عارفين عنهم حاجة، خرجلنا ولادنا ياريس" استغاثات وصرخات لأهالي منطقة أبو قير مطالبين الرئيس عبد الفتاح السيسي وجميع الجهات المعنية بالدولة بإنقاذ أبنائهم من السجون الإيطالية، مؤكدين أنهم لا يعلمون عنهم شيئًا منذ أن هاجروا بحثًا عن عمل، وقد انقطعت كل وسائل التواصل معهم، ولا يعلمون إن كانوا علي قيد الحياة أم لا، مشيرين إلي أن أبنائهم سافروا بسبب توقف الصيد وضيق المعيشة، حيث لم يعد الصيد كما كان في السابق ولا يملكون أي عمل أو مصدر دخل آخر.

وقالت سيدة مسنة من أهالي المنطقة، ترفض التخلى عن ملابسها السوداء، وترتسم علي وجهها علامات الأسى والحزن، ويملأ عينيها الدمع، إن نجلها "زيد إبراهيم حمودة" قد هاجر إلي إيطاليا منذ 4 سنوات بحثًا عن العمل لكنه تم القبض عليه هناك والحكم عليه بالسجن 8 سنوات ولا تعلم عنه شيئًا، قائلة: "ابني حُكم عليه بالسجن 8 سنوات في إيطاليا، وكان قد وقّع علي شيك حتي يستطيع دفع تكاليف الهجرة، وسافر بسبب مرض والده، فهو في حاجة لإجراء عملية قلب مفتوح وسافر ابني للعمل من أجل توفير ثمن العملية".

وأضافت الأم المكلومة لـ"أهل مصر": "ابني اتصل بينا بعد أن سافر وأخبرنا بأنه قد تم الحكم عليه بالسجن 8 سنوات دون سبب، وقال ادعولنا ربنا يفكّها علينا"، متابعة: "ليه يحصل معاه كده ويتحكم عليه بـ 8 سنوات سجن.. حرام لما شاب زي ده سافر من أجل علاج والده لعدم وجود مصدر دخل له، وترك زوجته وهي حامل ولم يري ابنه حتي اليوم ولا يعلم عنه شيئا يحصل معاه كده، وأخبر زوجته في أخر اتصال له بأنه سيتم سجنه 8 سنوات وقال لها بأنه لا يدري ما مصيره"، مناشدة الرئيس السيسي بالوقوف إلي جانبهم وإنقاذ نجلها، قائلة: "بناشد الرئيس السيسي يقف معانا دول عياله وشباب مصر، ابني عنده طفل عمره أكثر من 3 سنوات ولم يراه حتي الآن".

وفي براءة شديدة، قال طفل يُدعي "محمد"، نجل أحد المواطنين المسجونين في إيطاليا، لم يتجاوز عمره الـ 4 سنوات، يحمل صورة لوالده في يده: "بابا سافر إيطاليا من سنتين، وأخر مرة كلمني في التليفون قالي ما تخافش ياحمو وخلي بالك من إخواتك.. أنا نفسي بابا يرجع وأشوفه".

«شباب قنا» تركوا وطنهم هربًا من الفقر وعادوا في «الأكفان»

"بحثًا عن لقمة العيش" من أجل هذه الكلمات فقدت محافظة قنا، العشرات من خيرة أبنائها في الغربة، الذين وجدوا الحرمان داخل وطنهم في توفير حياة كريمة لهم ولأسرهم، فتركوها سالمين ورجعوها بالأكفان، فلا يوجد قرية أو مدينة داخل قنا لم تعلن الحداد حزنًا على ابن لها توفي في الغربة، والذي أُجبر على ترك أسرته ليتغرب بهدف جمع المال الذي يساعده ويساعد عائلته على توفير حياة كريمة بعيدًا عن إهانة الفقر وذلك الذي حرمه منه وطنه، فراح ضحية لقمة العيش التي لم توفرها له بلده.

ورصدت"أهل مصر" أحدث 3 حوادث لأبناء محافظة قنا الذين استشهدو بالغربة بحثًا عن لقمة العيش، ورحلة العذاب التي مَرَّ بها الشهداء وما أصاب أمهاتهم من حزن وقهر حتي استوطنت أجسادهم الأمراض بعد فقدان أبنائهم، ولم يجدو عطفًا من قبل المسؤولين ببلدتهم، ولم يوجد من يعولهم، فالدولة لم تصرف لهم حتى تعويضات تساعدهم بعد فقدان من كان يعولهم.

وتأتي قصة شهيد جزيرة العبل بقنا 'ضحية قذائف الحوثيين'، أشهر تلك الحوادث المأساوية، وهو الشهيد عبد المطلب أحمد حسين، 38 عامًا، ابن جزيرة العبل، بمركز الوقف، شمالي قنا، والذى لقى مصرعه في يوم 26 مارس عام 2018.

وبدأت قصته بحزن وشقاء وأسى من داخل وطنه، الذي لم يجد به عملًا، ليساعد أسرته في المعيشة، حيث تزوج عبد المطلب منذ 9 سنوات، وأنجب طفلين "حنين وأمير" ونظرًا لظروف معيشته الصعبة فقد سكن في غرفة هو وزوجته في منزل والدته وأشقائه الـ 6، المكون من طابق واحد ومبني من الطوب اللبن، وقرر السفر خارج مصر للعمل لإنقاذ أسرته من الحرمان والفقر، واقترض ثمن تذكرة سفره للسعودية والذى قضى بها عام ونصف العام، وكان يعمل مبيض محارة، وقد استطاع في الفترة التي قضاها بالسعودية توفير مبلغ من المال وتجهيز نفسه للعودة إلى قريته وشراء قطعة أرص لبناء مسكن خاص به عوضًا لأطفاله، كما استعد للعودة بشراء الألعاب لأطفاله وبعض الهدايا لوالدته المسنة وأشقائه ولكن القدر يشاء أن يلقى مصرعه قبل عودته لمصر بـ 15 يومًا.

واستشهد "عبد المطلب" بعد إصابته من قذائف صاروخ تابع للحوثيين بالسعودية، وعائلته لم تعلم بخبر استشهاده سوى من مواقع التواصل الاجتماعي عندما أعلن بيان من السعودية للمتحدث الرسمي باسم قوات التحالف العربي "تحالف دعم الشرعية في اليمن"، العقيد الركن تركى المالكي، بأن قوات الدفاع الجوي الملكي رصدت مساء الأحد يوم 26 مارس عام 2018, إطلاق 7 صواريخ باليستية من اليمن باتجاه المملكة، لاستهداف مواطنيها عشوائيًا وأن ثلاثة من هذه الصواريخ كانت باتجاه الرياض، وواحد باتجاه "خميس مشيط"، ورابع باتجاه نجران، واثنان باتجاه جازان، ونجحت القوات في تدميرها جميعا، وقد نجم عن اعتراضها تناثر الشظايا في عدد من الأحياء السكنية، ما نتج عنه استشهاد مقيم من الجالية المصرية، وإصابة اثنين آخرين، إضافة لبعض الأضرار المادية.

وبعد ذلك الحادث الذي راح ضحيته عبدالمطلب لم ترأف دولته بعد وفاته بأن تعول أسرته أو تدفع لها تعويضات حتى الأموال التي كانت معه فُقدت في الحادث وما زالت زوجته وأطفاله داخل الغرفة ذاتها مع والدته التي أصيبت بمرضي الضغط والسكر بعد فقدان نجلها، وأطفاله في معولة جدهم منذ وفاته ولم تتذكره دولته حتى الآن.

وفي قرية القناوية، بمركز نجع حمادي، شمالي قنا، اتشحت القرية حزنًا علي وفاة جمال سليمان عبيد السباعي، 28 عامًا، مزارع، والذي تُوفي يوم 7 نوفمبر من العام الجاري بدولة الكويت، في حادث انقلاب سيارة ومعه 4 آخرين مصريين، والذي كان قد سافر إلى الكويت منذ عام و4 أشهر، بحثًا عن لقمة العيش، فلم يرى السعادة في حياته فمات شابًا لم يتزوج بعد.

وعاش "السباعي" في قرية متدنية اقتصاديًا، فلجأ للخارج لجمع المال الذي يعيش الحياة التي يريدها لأسرته فكان يعمل عامل أجري في الكويت، وخلال المدة التي قضاها جميع رزقه وكان يرسله لأسرته رأفة بحالتهم، بل وساعد شقيقه في توفير "فيزا" سفر للكويت للعمل معه، وبعد سفر شقيقه بأيام للكويت لاقى هو مصرعه في حادث انقلاب سيارة، فرجع قريته ملفوفًا بالكفن، والتي أعلنت الحداد حزنًا عليه لكرمه وأخلاقه العليا، ولم تجد أسرته حتى الآن تعويضًا من دولته.

أما الحادثة الثالثة فشهدتها قرية حجازة قبلي، بمركز قوص، جنوبي قنا، حيث سافر شاب يُدعي "محمد عتيطو" 30 عامًا، إلى السعودية منذ عام 2012 ليكوّن نفسه، بعد أن تخرج من الدبلوم، حيث لم يبحث عن عمل داخل وطنه وفكّر في الحل الأسهل وهو السفر إلى السعودية التي في نظر جميع شباب قنا، الثروة التي يحصلون منها على ما يشاءون، وعمل بها حتى يوم 25 أبريل الماضي، عندما سقط من أعلى سقالة ولقى مصرعه، وعاد إلى وطنه متكفنًا، لم يفرح بما جناه من مال خارج وطنه وتغربه سنوات عديدة، وكان ذلك الخبر فاجعة على قلب أسرته وخاصة والدته الذي هو كان أملها في الحياة والتي منذ لحظة وفاته حتى الآن وهي ملازمة الفراش تعاني من المرض.

شباب بورسعيد.. ضحايا النصب في بلاد الغربة

ما بين فناء للعمر في البحث عن الرزق وجلب الأموال وشقاء وبُعد عن الأسرة والأهل والأقارب والأصحاب، إنها معاناة الغربة التي لا تنتهي، والتي من أشدها ما يواجهه المغترب عندما يفنى عمره وهو بعيدًا عن أهله ضحية للبحث عن قوت يومه وأسرته وتنتهى دقات قلبه في بلاد غريبة، وهناك أنواع أخري من المعاناة يواجهها المغترب منها الوقوع فريسة لعمليات نصب وتضيع سنوات شقائهم "هدر".

أحد المغتربين من أبناء بورسعيد يُدعي "ر. ف"، يعمل محاسب بإحدى شركات المملكة العربية السعودية، والذي عمل بها بحثًا عن مستوى معيشي أفضل له ولأسرته، يروي قصة وقوعه فريسة لعملية نصب أثناء غربته من أحد الأشخاص يدعى "م. ي. م" ويقيم بمحافظة بورسعيد أيضًا، وحاليًا هارب بدولة تركيا، حيث أنهما كانا أصدقاء منذ 18 سنة، وتعود تفاصيل واقعة النصب عليه، عندما نوى أن يشترى سيارة، وبحكم عمله خارج جمهورية مصر العربية، ونظرًا للصداقة القوية، التي كانت بينه وبين المتهم، فعرض عليه أن يقوم هو بشراء السيارة، وبالفعل أعطاه 85 ألف جنيه مصري، واستمر التسويف حتى سافر، فكان حينها بإجازة سنوية، وقبل موعد سفره بحوالي 3 أيام، أعطاه شيكات بقيمة المبلغ سالف الذكر إثباتًا لنية الخير على عكس ما سيحدث .

وأضاف، أنه قد مرت الأيام دون جدوى وبعد فترة وجده يعرض عليه أن يقوم بزيادة المبلغ لشراء سيارة للتجارة، وتم بالفعل زيادة المبلغ، ومن ثم بيعها وهكذا، واستمر هذا الأمر قرابة العامين دون أن يحصل من صديقه علي أرباح العمليات التجارية أو استلام أصل المبلغ، إلي أن فوجئ الجميع، وعددهم 16 فرد، قام هذا المتهم بالنصب عليهم أيضًا.

وتابع أنه بالبحث والتحري قرابة 6 أشهر علم بعدما قام بعمل إعلانات ومكافأة لمن يدلي بمعلومات عنه بأنه قد هرب إلي تركيا، وقد تدخل بعض الشخصيات العامة ببورسعيد لحل الأزمة، ولكن دون جدوي، كما تدخل أحد الأشخاص على علاقة بالمتهم في تركيا، وتوصل لسداد جزء من المديونية المقدرة بحوالي 9 مليون جنيه وقاموا ببيع شقته المتواجدة بحي النور، وتم تقسيم المبلغ على جميع المنصوب عليهم، ما عدا هو "كونه مغترباً".

وأشار إلي أن الآخرين المنصوب عليهم أخذوا الشيكات وإيصالات الأمانة لرفع قضايا ضده، وأصدرت محكمة الشرق حكم باسم الشعب برئاسة محمد عدلي، رئيس المحكمة، وحضور أحمد الجندي، وكيل النيابة، ضد المتهم "مهيب. ي. م" بحبسه 3 سنوات مع الشغل وكفالة ألف جنيه، لإيقاف تنفيذ العقوبة مؤقتا وألزمته المصروفات الجنائية، وجاءت أحداث القضية بأن المتهم تغيب عن الحضور بالجلسة المحددة رغم إعلانه بها قانونيًا ومن ثم جاز الحكم في غيبته عملًا بالمادة 1/238 من قانون الإجراءات الجنائية.

دموع أبناء المهندس عبد الحميد بالبحيرة: تغرّب ليُحقق حلمه فغاب إلى الأبد

"أخيرًا حلمى اتحقق ادعولي إن ربنا يوفقني في السفر وأرجع أشوفك علي خير" كانت هذه أخر كلمات قالها ضحية الطائرة الإثيوبية المنكوبة المهندس عبد الحميد فراج محمد مجلى، ابن محافظة البحيرة، الباحث بمركز بحوث الصحراء، مودعًا أصدقائه وأقاربه وذلك خلال رسالة على صفحة الشخصية بالـ"فيس بوك"، قبل أن يسافر لاستكمال مسيرة العمل والتعليم خارج بلده.

المهندس عبد الحميد، أو كما يلقبه الأقارب والأصدقاء بـ"مولانا"، لحسن خلقه ومعاملته لأصدقائه وجيرانه والتزامه، يبلغ من العمر 29 عامًا، خريج كلية الزراعة جامعة دمنهور، ومتزوج ولديه طفل عمره عام ونصف العام، وكان باحثًا مجتهدًا يفخر به أهله وأقاربه وأصدقائه، وهو أحد الباحثين المتميزين بالمركز، ولذلك نال شرف وزارة الزراعة لترشيحه للدورة المنعقدة في دولة كينيا لمدة 5 أيام ضمن مجموعة من العاملين بمراكز بحوث الصحراء على مستوى الجمهورية.

وقال صبري خالد، نجل شقيق الشهيد والصديق المقرب له، إن الشهيد خريج كلية الزراعة جامعة دمنهور، والتحق بالعمل بمركز بحوث الصحراء، ومتزوج ولديه من الأطفال "عمر" عام ونصف العام، وله 3 أشقاء هم "نعمة" طالبة بكلية الزراعة، و"محمد" طالب بكلية الطب، و"علاء" تلميذ بالصف الثالث الإعدادي، ووالده حاصل على دبلوم زراعة، ويبلغ من العمر 65 عامًا، ويعمل فلاح، ووالدته ربة منزل.

وأشار صبري، إلي أن عمه الشهيد كان من أفضل الشخصيات في العائلة وكان يتميز بحسن الخلق والتفوق العلمي، وكان كل حلمه أن يسافر للخارج للعمل واستكمال المسيرة التعليمية وبالفعل استجابة الله له، وحصل علي بعثة تعليمية في إثيوبيا، وعلي الفور استكمل أوراق السفر، وأخر كلمات وداع له كانت رسالة علي صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك".

وأوضح نجل شقيق الراحل، أن البعثة كانت علمية إلى دولة كينيا، وتابعة لوزارة الزراعة حيث قامت بترشيح عدد من الباحثين لحضور الدورة المنعقدة في دولة كينيا لمدة 5 أيام ضمن مجموعة من العاملين بمراكز بحوث الصحراء على مستوى الجمهورية، وكان الشهيد من ضمن المتميزين في الوزارة، فكانت تلك البعثة بمثابة حلم يتحقق بعده مرحلة مهمة في حياته عقب عودته من تلك البعثة.

وأضاف أن الشهيد ينتمي لأسرة بسيطة مثل معظم المصريين تهتم بالعلم، ومتزوج لديه ابن وشقيق في كلية الطب وشقيقة، وكانوا يتميزون بين أقاربهم بحسن السمعة والأخلاق الحميدة، والراحل كان يستكمل دراسته، ويتمنى أن يكون معيدًا بكلية الزراعة جامعة دمنهور التي تخرج منها أو أي كلية أخرى، مضيفًا: "ودّعنا الشهيد قبل السفر ووعدنا بالاتصال بنا فور وصوله الفندق للاطمئنان عليه خاصة وأن سفره سيستغرق ساعات طويلة، ولا توجد شبكات اتصالات في الطيران، لكن بعد تأخره في التواصل وإعلان حادث الطائرة علي الفور تواصلنا مع وزارة الزراعة، وبالفعل اخبرتنا أن الشهيد من ضمن ضحايا الطائرة وكان الخبر بمثابة الصدمة على الجميع.

وتابع أنه عقب وفاته كان حلم أقاربه وأصدقائه أن يدفن جثمان الشهيد أو حتى أشلاءه في مقابر العائلة بالقرية، وأن والدته منذ علمها بخبر وفاة إبنها وهي تعاني من مرض نفسي، لافتًا إلى أنهم كانوا دائما يتواصلون مع المسؤولين للوصول إلى أشلاء الشهيد، حيث عرض المسؤولين سفر أحد أفراد الأسرة إلى إثيوبيا لإحضار الجثمان أو الأشلاء، وظلت الإجراءات مستمرة لمدة عام حتي تمكّن والد الشهيد من استلام أشلاء الشهيد ودفنه منذ أقل من شهر.

مات السند.. نيران الغربة تُحرق أسر الباحثين عن لقمة العيش بالمنيا

رحلة شقاء في الغربة، قادها شباب ومسنين من كافة قري ومراكز محافظة المنيا التسع، ما بين ليلة وضحاها شدوا الرحال حاملين علي الأعناق حقائب تحوي بعض الأغراض الشخصية وصور فوتوغرافية لأسرهم لاسترجاع الذكريات، عازمين علي مفارقة ذويهم لتوفير لقمة عيش ومال يعينهم علي المعيشة لسنوات ثقال لكنهم بالأكفان عادوا.

"مات السند.. ضاع الولد" كلمات رددتها عدد من الأُسر بالمنيا التي فقدت أحد أفرادها خلال رحلة العمل خارج موطنه، واصفين تلك الرحلة برحلة نيران الغربة التي التهمت حياة الآباء، والأبناء، والأزواج، تاركين ورائهم ذرية ضعافًا وأُسر دون عائل وقفت علي أعتاب المسؤولين للبحث عن مصدر دخل آخر بعد أن فقدوا عائلهم الوحيد.

شهداء لقمة العيش في سحابات الغربة خارج الأوطان نسجوا أسمائهم الرباعية بسجلات الوفيات، عائدين إلي موطنهم في أكفان تتلاحقهم أحضان الوالدين والزوجات، والصغار، تاركين لذويهم سرد سيرة رحلة الشقاء عبر بوابات الغربة التي امتدت لقرابة الربع قرن من الزمان أنهت حياتهم ما بين الفقد والموت الطبيعي والقتل. 

"سابني مع عياله للزمن يخبط فينا.. هو السند ومات السند" بتلك الكلمات بدأت "إيمان عكوش" حديثها خلال مرور شريط ذكريات زوجها الراحل والذي قضي بضع سنوات من عمره في العمل بالمملكة الأردنية الهاشمية تاركًا لها "آلاء" البالغة من العمر 8 سنوات، و"محمد" البالغ من العمر6 سنوات، مضيفة: "لقد تحولت من ممارسة دور الأم فقط إلي دور الأم والأب معًا بعد فقدت سندي وسند أبنائي في الحياة".

واستكملت الزوجة، أن زوجها الراحل كان يعمل كعامل بالأجرة لدي أصحاب الأراضي الزراعية، مشيرة إلي أنه لم يكن لزوجها أي مصدر دخل ثابت لذا قرر السفر إلي الأردن والعمل هناك لتوفير لقمة عيش لهم ولأبنائه، موضحة أنه بدأ في العمل في الأردن وكان يقضي يومه بالترحال والمرور في الشوارع والأزقة لبيع الستائر والأقمشة ثم يعود لمنطقة سكنه حيث كان يقطن مع مجموعة من المصريين الذين يعملون بالأردن وتحديدًا بمنطقة الرصيفة بالجبل الشمالي، لافتة إلي أن زوجها كان يجدد الإقامة بشكل دوري كل عام في شهر ديسمبر.

وأضافت: توفي زوجي وفاة طبيعية وترك لدي إثنين من الأبناء دون دخل أو سند، ووقفت حينها وحيدة في تحمل المسؤولية وقيامي بدور الأم والأب معًا، وبعد أن فقدت زوجي تلاقفتني تخبطات الحياة والفقر وتمنيت لو عاد لي زوجي من جديد ليعينني علي متاعب الحياة فلم أتمكن من السير بمفردي.

مأساة أخري تعيشها زوجة "جمال إبراهيم" الذي عاد إلي مسقط رأسه في أخر رحلات عمله بالمملكة العربية السعودية داخل كفن يزور أرجاء بيته للمرة الأخيرة في لحظة وداع أسرته، فقد ترك الأب المسن لزوجته أربعة من الصبية ذرية ضعافًا لم يبلغوا بعد لتحمل مشقة العمل وتوفير لقمة العيش، بعد أن قرر تركهم والترحال ما بين ذهاب وعودة من بلدته الفقيرة الواقعة أقصي شمال محافظة المنيا بمركز بني مزار ووصولًا إلي المملكة العربية السعودية التي قضي فيها ما يقرب من 25 عامًا، ليعود إلي أحضان أسرته داخل كفن يحتضنه أبنائه وزوجته للمرة الأخيرة بعد أن قتل خارج وطنه.

تقول الزوجة: "كنت في السابق أنتظر عودة زوجي إلينا وسط لهفة من أبنائي الأربعة الصبية، لكن في المرة الأخيرة عاد زوجي لكن قتلت لهفة شوق أبنائه لرؤيته إلي نحيب الوداع الأخيرة بعد أن عاد ضحية إلي بلدته"، مضيفة: "زوجي الراحل جمال عندما بلغ عامه الـ 28 سافر للعمل في وطن آخر واتجه إلي المملكة العربية السعودية حينها عمل عامل مواشي بإحدي المزارع بمحافظة حائل التابعة للسعودية واستمرت رحلة عمله علي مدار ما يقرب من ربع قرن ما بين ذهاب وعودة من وإلي مسكنه الكائن بعزبة يني الشرقية التابعة لقرية أعطو بمركز بني مزار شمال المنيا.

وتُضيف الزوجة، أنه خلال رحلة الشقاء والعمل تعرض زوجها لمشاجرة سقط خلالها ضحية للقمة العيش خارج موطنه حتي تدخلت السلطات المصرية وتم نقل جثمانه لدفنه بمقابر العائلة، وبفراقه فقدت جزء كبير من حياتها فقد ترك لها أطفال صغار لم يتحملوا المسؤولية بعد.

"ما بين تعداد الموتي والمفقودين.. ضاع الولد" كلمات رددتها "وفاء هلال" السيدة السبعينة، بعد أن عجزت قدميها علي مواصلة لحظة انتظار صغيرها خلف أعتاب منزلها المتهالك بقرية طرفا الكوم التابعة لمركز سمالوط شمال محافظة المنيا.

تقول الأم المسنة: 3 سنوات مضت علي انقطاع أخبار نجلي الصغير "حمزه" الذي اعتاد علي الذهاب إلي الأراضي الليبية لتوفير لقمة عيش هناك، فما بين رحلات الذهاب والعودة سلك نجلي طريقه هناك، لافتة إلي أنه كان يعمل عامل بإحدي المساجد بالأراضي الليبية إلا أنه اختفي دون مقدمات وانقطعت أخباره، مشيرة إلي أنها مازالت تتظره خلف أعتاب الباب الخشبي المتهالك لمنزلها الصغير تنتظر عودة صغيرها الذي لا تعلم انتقل إلي ربه أم فُقد دون عودة.

«شباب الغربية».. بين مطرقة «عصابات أمريكا» وسندان الموت غرباء

تُعد محافظة الغربية من أكثر المحافظات التي شهدت حوادث عدة راح ضحيتها مجموعة من أفضل شبابها خلال رحلة بحثهم عن "لقمة العيش" في الخارج بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت داخل أوطانهم ولم يجدوا مفرًا سوى البحث عن تأشيرة سفر للخارج لتحقيق أحلامهم.

يقول متولى الشهاوي، ابن قرية البنوان بالغربية، إن نجل شقيقته "عبدالله ثابت" سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية منذ 10 سنوات، بحثًا عن لقمة العيش، فهو العائل الوحيد لوالدته ووالده وشقيقته، حيث حَلُم برغد العيش لذويه وخاصة، أن والده ووالدته مزارعين بسطاء، إلا أن حلمه وحلمهم لم يتحقق، حيث عاد لهم محمولًا على الأعناق داخل صندوق خشبى، بعد تعرضه لحادث سطو مسلح وتبادل إطلاق النار بين عصابات مسلحة والشرطة، وسرقة مبلغ مالى كان كل ما لديه بعد 10 سنوات.

وأضاف الشهاوى: "توفيت شقيقتى عقب وفاته بـ 3 أشهر، واعتكف والده داخل غرفته، وانقطع عن الكلام، وانحدر الحال بالفتاتين للبحث عن عمل يعولهم ووالدهم المريض، فمعاش الأب لا يتجاوز الـ 850 جنيه، ولم يتم القبض على الجناة حتى الآن، أو استرجاع أموال "عبدالله"، لتزهق روحه هباءً منثورًا بدون أى مقابل".

في السياق ذاته، تقول بدرية محمود، زوجة "محمد صبحى ندا" ابن قرية قصر بغداد، والذى عاد محمولًا على الأعناق بعد 10 سنوات، بعد زواجهما وإنجاب طفلين هما "إياد ويزيد"، إن زوجها فكّر فى السفر لأكثر مكان داخل مصر للعمل كشرم الشيخ والغردقة إلا أن والدته أقنعته بالسفر للعمل مع أشقائها فى مجال المعمار بولاية إلينوي.

وتُضيف الزوجة، أنه بعد سفر زوجها للعمل وتوفير النفقات، اختفى ولا تعلم عنه شيئًا، وتواصلوا مع جميع من كان يعرفه بالمقاطعة والولاية بالكامل ولكن دون جدوي، وعقب الاختفاء اضطرت للنزول لسوق العمل لتوفير نفقات لأطفالها ووالدته ووالده، حيث كان زوجها هو العائل الوحيد لهم، وبوفاته وصلوا لمرحلة صعبة، حيث وصل بهم الحال لبيع بعض قطع من أثاث المنزل، وفيما بعد تم العثور علي زوجها متوفى بأحد العقارات السكنية المهجورة منذ أكثر من 10 سنوات.

وتابعت بدرية، أنه على الرغم من المشاجرات الدائمة التي كانت تنشب بينهما إلا أن حكايات زوجها عن الغربة واختلاف العادات والتقاليد كان يمزق قلبها، حيث لم يبخل على أولاده أو عليها بشئ فكان دائم إرسال الهدايا لها ولوالديه، إلى جانب الاطمئنان بالهاتف، يوميًا ويحكى لهم تفاصيل يومه وما يؤرقه، وأكثر ما كان يخشاه حدث له، فكانت شكواه الدائمة من الوحدة وعدم الاطمئنان وأن يتوفى وحيدًا وهذا ما حدث بالفعل.

واختتمت الزوجة حديثها، قائلة: "كان حامينا من كلاب السكك والمصالح والشقى، إلا أن ما عانيناه لم يكن هينًا، فكثيرًا ما كان يحرم نفسه من الطعام لأجل أولاده، أو لا يشترى ملابس جديدة من أجلهم، ولكن الحمد لله فأنا أعمل وأنفق على البيت بالكامل كزوجى، وأستكمل أمانة رعاية والديه".

معاناة شباب بني سويف بين سوء المعاملة والسخرية ومنع المستحقات المالية

"كل واحد بياخد نصيبه من الدنيا، كله عمره مكتوب ومقدر، محدش بياخد أكتر من رزقه" عبارات عبّر بها أهالى محافظة بني سويف عن أسفهم وحزنهم الشديد علي فقدان العديد من أولادهم وذويهم في الغربة خلال رحلة بحثهم عن لقمة العيش الحلال، وتوفير وسائل الحياة الإنسانية الآمنة.

في البداية تقول حليمة كمال، 57 عامًا، تُقيم بقرية الحيبة بمركز ومدينة الفشن جنوب محافظة بنى سويف، وهي أم لـ 4 أولاد، إن نجلها "محمد" كان يعمل عامل بناء بـ"اليومية" بالقرى المجاورة، وكان يبلغ من العمر الـ 27 عامًا، وكان متزوجًا ولديه طفلين، وقرر السفر إلى إحدى الدول العربية بحثًا عن فرصة عمل له، مضيفة أن القدر لم يمهله طويلًا للعمل هناك بدولة "السعودية"، حيث ظل يعمل لمدة زمنية قصيرة لا تتجاوز الستة أشهر فقط، وذلك بسبب تعنت صاحب العمل معه (الكفيل) وسوء معاملته له والذى تركه فى إحدى المزارع، دون وجود مصاريف شخصية، أو مقومات الحياة الإنسانية اليومية من مٲكل جيد.

وتضيف الأم، أنه بتكرار المعاملة الغير حسنة من جانب "الكفيل" قرر نجلها ترك العمل هناك، والعودة إلى القرية مرة أخرى، بعد استنفاذ كل محاولات الصلح والاستعطاف مع صاحب العمل.

وتابعت أنه أثناء عودة نجلها إلى بلده، عقب فشل كل محاولات الصلح والاستعطاف مع صاحب العمل هناك، لقى مصرعه إثر تصادمه بإحدى السيارات التى كانت تسير بشكل جنوني، دون سابق إنذار له أو أن يمهله القدر فرصة لعودته إلى منزله وأبنائه الأطفال وزوجته الذي تركهم فى غفلة من الزمان، يسبحون في بحر الحيرة والاحتياج ومرارة الأيام وقسوة قلة الأموال.

أما "أم خالد" زوجة شاب يُدعي "محمد كمال إبراهيم"، بمركز ومدينة ببا جنوب محافظة بني سويف، أحد ضحايا الغربة ولقمة العيش من أجل توفير حياة كريمة وأفضل لأسرته، فتقول إن لديها ثلاثة أطفال، بجانب والدة زوجها ووالده، وكان يعمل زوجها فلاحًا، وكان يتمنى أن تُتاح له فرصة العمل بالخارج بإحدى الدول العربية بحثًا عن تحسين الأحوال المادية والمعيشية له وأسرته.

وتُضيف الزوجة، أن زوجها قرر السفر إلى دولة ليبيا، وذلك بسبب سهولة السفر والتنقل إلي هناك، برفقة بعضٍ من ٲصدقائه من القرى الأخرى المجاورة، للعمل بإحدى المزارع الخاصة بالزراعات والمحاصيل التقليدية التي يتم زراعتها هناك، مضيفة أن زوجها ظل يعمل هناك بإحدى مزارع دولة ليبيا لمدة تراوحت ما بين 4 إلى 6 أعوام، يتنقل بشكل مباشر بين هنا وهناك خلال الإجازات التى كانت تستغرق الشهر فى كل عام، فضلًا عن البدء في تكوين مبلغ مالي إلى حدٍ ما يجعلهم يستطيعون العيش بشكل جيد، وقد طالبته بالعودة إليهم وعدم السفر مجددًا إلى ليبيا فوافق علي طلبها، وبدأ في تجهيز العودة إلى قريته، مقررًا ترك العمل بالمزرعة التى كان يعمل بها، وأثناء مطالبة زوجها لصاحب المزرعة بتصفية الحساب المالى بينهما، حدث خلاف بينهما تطور إلي نشوب مشاجرة، فقام صاحب المزرعة علي إثر ذلك بإطلاق أحد الأعيرة النارية على زوجها، ما أسفر عن مقتل زوجها، وتم إلقائه على أحد الطرق السريعة هناك.

وتابعت، أن جثة زوجها تم اكتشافها بالصدفة عن طريق أحد أصدقائه، خلال عمله بإحدى المزارع الأخرى، وتم نقل الجثة إلى القرية، دون إثبات من القاتل، مشيرة إلى أن زوجها لقى مصرعه، ثمنًا لحياة الغربة ولقمة العيش التى كان يتمناها لأسرته.

فيما يروي أحمد حسين، 65 عامًا، أحد أهالي مركز ومدينة إهناسيا غرب بني سويف، أن نجله "محمد" كان شابًا في مقتبل العمر 24 عامًا، وراح ضحية الغربة ولقمة العيش، والبحث عن الرزق فى "أى مكان فى الدنيا"، حيث قرر السفر إلى ليبيا برفقة العديد من شباب القرية للبحث عن فرصة عمل له، ومصدر رزق.

وأشار الرجل الستيني، أن نجله كان يعمل فى مهنة "السيراميك والرخام" خلال 2007، ولكنه أراد الحياة بشكل مختلف عما يعيشها في بلدته بالعمل في المناطق المختلفة و"اليوميات" لدى المواطنين بالمحافظة، وكان الهدف من قراره السفر إلي ليبيا هو تحسين مصدر دخله المالى، ولتكوين حياته الشخصية، والبدء في تجهيز شقته السكنية، وتوفير كافة الإمكانيات ومستلزمات الحياة الزوجية التى كان ينتوى بدئها، مشيرًا إلي أن نجله كان يُرسل إليه خلال فترة العمل، والتى امتدت لمدة عامين ونصف العام، يُخبره بأن هناك بعض العوامل المؤثرة بشكل سلبى على حياته الشخصية والعملية خلال تواجده فى ليبيا ومنها معاملة أصحاب الدولة هناك لكل العاملين المصريين بمبدأ "انت هنا تشتغل بفلوسنا".

وأكد حسين، على أنه يوجد بعض المعاملات الغير مرغوبة فيها من جانب أصحاب البلد هناك، مثل أن للمصريين بالخارج لا صوت لهم، وأنهم يعملون للمال فقط، دون وجود أى مطالب أو حقوق أخرى لهم خلال إقامتهم بالخارج، مشيرًا إلي أن نجله حينما قرر العودة إلى قريته، لم يمهله القدر أن يعود بسلام، حيث اصطدمت سيارته "الميكروباص" التى كان يستقلها برفقة العديد من أبناء قريته، بسيارة أخرى، أسفرت عن وفاته برفقة شابين آخرين، وإصابة أكثر من 8 آخرين خلال اصطدام السيارة بالطريق البرى بين القاهرة طرابلس.

«الميليشيات الليبية» تحصد أرواح شباب الدقهلية

لمحافظة الدقهلية طباع خاص حيث يتطلع العديد من شبابها إلى السفر للعمل في الخارج، من أجل جمع المال، وبناء مستقبلهم وتوفير حياة سعيدة لأسرهم، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهى السفن، حيث يعانون أشد المعاناة في البلاد التى يسافرون إليها من القهر ونيران الغربة، وبعضهم يعود إلي أسرته جثة هامدة.

وشهدت مدينة دكرنس التى تبعد قرابة الـ 20 كيلو متر عن مدينة المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية، وفاة العشرات من أبنائها الشباب فى ليبيا من قبل المليشيات المتواجدة هناك، فقد شهدت الآونة الأخيرة سقوط الكثير من الضحايا الذين ذهبوا للبحث عن "لقمة العيش" من أجل العودة إلي أُسرهم لإنقاذهم من جحيم الفقر، من بينهم الشاب "محمد خالد" الذي يبلغ من العمر 25 عامًا، ويعمل فى ورشة حدادة.

وفقد الشاب حياته بعد أن سافر إلى ليبيا بـ 4 أسابيع، حيث فوجئت أسرته بتلقى اتصالات من قِبل مليشيات في ليبيا تطالبهم بدفع مبالغ لا تقل عن 20 ألف دولار من أجل إطلاق سراحه، وبعد فشل أسرة الشاب فى المفاوضات تم قتله وإرسال جثمانه بعد مرور أكثر من شهر من مقتله. 

ومن دكرنس إلي قرية أتميدة التابعة لمركز ميت غمر، حيث شهدت القرية ضحية أخري أثناء الغربة في المملكة العربية السعودية، فقد توفي "مصطفى نزيه مسعود" 28 عامًا، إثر سقوطه من الطابق السادس في بئر مصعد الأسانسير خلال عمله نقاش بالسعودية، ولم يتمكن أهله من إحضار جثمانه إلى مصر لفترة طويلة بسبب الإجراءات.

وفي قرية ميت الخولى التابعة لمدينة منية النصر، تعرض أحد أبنائها ويُدعي "إسلام عزمي سليمان" 26 عامًا، للإصابة بشلل رباعي أثناء حادث خلال عمله في المملكة العربية السعودية في شهر سبتمبر من عام 2013 الماضى، ليعيش حياة مأساوية منذ ذلك الحين.

نقلا عن العدد الورقي.