اليَمَنُ المُعقدُ

أهل مصر

القضيةُ اليمنيةُ قضيةٌ آنيةٌ عاجلة تفرض نفسها كأحد أهم قضايا الصراع في الشرق الأوسط، وحول الشرق الأوسط. الحوثيون على أطراف باب المندب، وهذا الأمر يمثل خطورة على قناة السويس، كما يمثل بالوقت نفسه ذات الخطورة على موانئ مدينة دبي الإماراتية.

إذًا لو ضاع موقع باب المندب لن تتأثر فقط السويس، بل ودبي. للمصريين تجربة في اليمن للأسف لم يدرسها أحد. وعلى ما يبدو أن رجال عصر حرب اليمن كانوا في عجلةٍ من أمرهم فما لبثوا أن انتهوا منها، حتى أغلقوا ملفاتها دون دراسة ما جرى، وبقيت فقط عقدة اليمن.

لا مشهد أعقد من المشهد اليمني، اليمن بلدٌ رائعٌ، لكن الظروف وأهمها ظروف تحول التجارة من البحر الأحمر إلى طريق رأس الرجاء الصالح في القرن السابع عشر، تركته لتتفاعل بداخله موروثاته الثقافية والحضارية والقبلية.

ورغم ذلك يُمكن تجاوز مشكلة باب المندب وعدم اعتبارها المشكلة الرئيسية والأهم فيما يجري في اليمن، والنظر في قضايا أخرى، من بين هذه القضايا الأهم هو النظر في موقف المملكة العربية السعودية، ومدى قدرتها على تحمل تكاليف اليمن، اليمن بركان نائم في جنوب شبه الجزيرة العربية، وإذا انفجر فسوف يجرف كل المنطقة.

وعلى مدى تاريخ الدولة السعودية، لم يكن قادتها يخافون شيئًا أكثر من اليمن ومما يجري فيها. عدد سكان اليمن ليس بالقليل، والسلاح في اليمن ضخم ومتطور لأبعد مدى. قبل الحرب والمعارك العسكرية تحتاج قضية اليمن إلى علاج، هناك أموال كبيرة يجب أن تنفق على القبائل لكسب ولائها، هذا بالإضافة للأموال المطلوبة لتمويل الأحزاب السياسية ذات الشكل المدني، والقوى الأخرى المشابهة لها والتي يصعد نجمها يومًا بعد الآخر.

من بين تعقيدات قضية اليمن والتي تحتاج إلى دور المال الحاسم، هي تعقيدات الثقافة والأدب والفكر، كل هذه المشكلات يجب علاجها على نحوٍ أو آخر، ليس بالحرب، ولكن بالحل المنطقي الذي يرضي جميع الأطراف، ويجعل التربة السياسية مهيئة لكي تقبل بالتوازنات.

البشر في اليمن تمتد جذورهم من هذه اللحظة إلى ما قبل التاريخ، هم بشر متنوعون إلى غاية التنوع، وهم جزء من المشهد المعقد. القوة المسلحة في اليمن ليست هي الحل، بل كلما زادت الحشود العسكرية حول اليمن وحاصرت الأساطيل جنوبها، والقوات البرية شمالها، أدى هذا إلى زيادة الفوضى في الداخل، وبعث ذلك بالأطراف الإقليميين لاستغلال الموقف أكثر.

المثير في الأمر أن إسرائيل متيقظة لما يحدث في اليمن، بل إنها تعتبر نفسها دولة لها شواطئ على مياه البحر الأحمر ــ وهي كذلك بالفعل بحسابات الواقع والمصالح ــ ممثلة في ميناء إيلات بجنوب إسرائيل. بالتالي أصبحت قضية اليمن وباب المندب شاغلها الشاغل، وبالذات في ظل دعم إيران لمليشيات الحوثي، فوجود الحوثيين قرب باب المندب يعني اقتراب إيران من أحد الشرايين الرئيسية لقلب إسرائيل الذي يسري دمها فيه.

لأجل ذلك وضع مطار عسكري تحت تصرف إسرائيل قرب جزيرة بريم بالبحر الأحمر، وسهل حصولها عليه بعض الأطراف من داخل اليمن نفسه. ويمكن أن يكون السؤال الملح بالوقت الحالي: أين الولايات المتحدة مما يحدث؟ البعض يظن أن الولايات المتحدة تتفق مع إيران على حساب تمدد الأخيرة في الدول العربية، ولهذا تغض الطرف عن تصرفاتها.

لا يوجد دليل يؤكد تلك التصورات، ومنطلق هذا أن العلاقات الدولية ليست صفقات، وإنما هيَّ حركة موازين قوى، فالدول تتحرك أولًا بطموحاتها، ثم بمواردها، ثم بإرادتها. كما تتحرك الدول أيضًا بإدراكها وفهمها لحركة موازين القوى التي تحيط بها، وعليها أن تتصرف وسط ذلك. لذا فالعلاقات الدولية ليست صفقات بالدرجة الأولى.

للأسف الشديد تمادى العرب في عدائهم مع إيران لأبعد الحدود، وللدرجة التي جعلتها تقتربُ أكثر من الأمريكيين. قَبِلَّ العرب من الشاه محمد رضا بهلوي وهو شيعي ما قبلوه، ورفضوا من ثورة الخميني كل شيء، ومثل ذلك فرصة للأمريكيين صمموا على اقتناصها حيث أدركوا أن الدول العربية ضعيفة ومكشوفة أمام ما يعتبرونه المد الثوري لما حدث في إيران، وبالتالي دخل الأمريكيين وتحكموا في إدارة موازين القوى ليس لصالح المنطقة، بل لصالح مصالحهم فقط. بناءًا على ذلك توارى الصراع العربي الإسرائيلي، وتقدم عليه الصراع السني الشيعي.