في ظل تطورات ميدانية متسارعة تعيد رسم خريطة النفوذ في اليمن، يسعى الحوثيون للسيطرة على مرتفعات استراتيجية تهدف إلى عزل ساحل البحر الأحمر عن المناطق الخاضعة للقوات المدعومة سعودياً. ويأتي هذا التحرك العسكري السريع مستغلاً تقارير عن تراجع واشنطن عن تنفيذ ضربات عسكرية، مما يفاقم من تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي المحيط بالأزمة اليمنية وتأمين الملاحة الدولية في أحد أهم المضايق البحرية في العالم.
وأفادت وكالة "رويترز" بتقدم الحوثيين للسيطرة على مرتفعات حيوية تفصل الساحل عن الجنوب، عقب تقارير صحفية أشارت إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألغى في اللحظة الأخيرة ضربات جوية كانت واشنطن تخطط لتنفيذها ضد الجماعة. وبحسب ما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن الإدارة الأمريكية كانت تستعد لشن غارات استجابة لمناشدات سعودية جديدة، إلا أن ترامب أمر بإلغاء العملية بينما كانت الطائرات محملة بالذخيرة، في وقت ترفض فيه واشنطن حتى الآن الانخراط المباشر في القتال رغم المناشدات المتكررة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في أعقاب إعلان الحوثيين استهداف الرياض بصواريخ تسببت بانفجارات قوية قرب المطار.
وعلى الأرض، تكشف مصادر عسكرية يمنية أن الحوثيين يركزون جهودهم الحثيثة على السيطرة على جبال كهبوب الاستراتيجية الواقعة بين محافظتي تعز ولحج، والتي تشكل فاصلًا جغرافياً رئيسياً بين ساحل البحر الأحمر والمناطق الجنوبية. وتشهد أطراف مديرية الوازعية في تعز ومنطقة رأس العارة على ساحل المحيط الهندي معارك ضارية، حيث يهدف الحوثيون من وراء هذا التقدم الخاطف ـ الذي أوقع هزيمة بقوات الحكومة المعترف بها دولياً ـ إلى تحصين مواقعهم المحيطة بمضيق باب المندب، وفتح جبهات جديدة لحماية مكاسبهم قرب ذوباب وجزيرة بريم، متجاوزين تأثير مئات الغارات التي شنها التحالف بقيادة السعودية في المرتفعات في ظل انسحاب القوات الحكومية.
وقد أسفر هذا التصعيد الدموي المستمر عن حصيلة إنسانية كارثية تتمثل في مقتل نحو سبعمائة شخص وإصابة الآلاف، إلى جانب نزوح أكثر من مئة وعشرين ألف يمني داخلياً، وفرار آلاف آخرين عبر البحر نحو السواحل الإفريقية، مما ينذر بكارثة إنسانية مضاعفة في المناطق المتضررة من القتال.
ويضع هذا الواقع الميداني المتدهور الإدارة الأمريكية ورئيسها أمام معضلة سياسية واستراتيجية حرجة؛ إذ يتعرض الرئيس ترامب لضغوط متزايدة لمساعدة الحليفة السعودية، بينما يحرص في الوقت ذاته على تجنب توسيع رقعة الحرب التي شنها على إيران في فبراير الماضي، والتي لا تحظى بشعبية واسعة في الشارع الأمريكي، مما يترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من التعقيدات والتداعيات على أمن المنطقة واستقرارها.