اعلان

كيف يري العالم 2016.. هل هو الأسوأ في التاريخ؟

كتب : وكالات

نشر موقع Slate تقريرًا تحاول فيه «ربيكا أونيون» الإجابة عن تساؤل ربما شغل البعض الآونة الأخيرة، إذ كثر الحديث عن عام 2016، وأنه أسوأ عام في التاريخ.

عقب موجة التعاطف مع ضحايا الشاحنة في نيس، حاولت متابعة مواقع التواصل الاجتماعي، فوجدت هوسًا بمدى سوء عام 2016 الذي لم يمر سوى نصفه.

«عزيزتي 2016، لماذا لا تعجلين بالرحيل؟»

عام مليء بالأحداث البشعة، هجمات إرهابية، وفيروس زيكا، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإطلاق الشرطة الرصاص، وسوريا، وترامب، ورصد أعلى معدلات درجات الحرارة، ووفاة برينس وديفيد باوي، هذا ما كان يدور على مدار الساعة. 

هل حقًّا تكالبت كل تلك الأحداث المرعبة دفعة واحدة فقط في 2016، أو بالأحرى في النصف الأول فقط من العام، وتكالبت بطريقة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية؟ أم أنه لا يجوز أن نحكم على مدى سوء سنةٍ ما قبل انقضائها؟

وتتساءل هل نحن حاليًا لا نلاحظ سوى السلبيات لأننا نتابع الأخبار على مدار الساعة بفضل وسائل الاتصال عالية الكفاءة؟وبالأساس ماذا يقصد بعبارة «أسوأ سنة»، هل تعني أسوأ سنة للمواطنين الأمريكيين أم للبشرية، أم للكوكب كله؟

أثارت تلك التساؤلات فضول «ربيكا» فقررت أن أطلب من مجموعة من المؤرخين أن يرشحوا لها «السنين الأسوأ» من وجهة نظرهم، وأن يفسروا معنى «سنة سيئة حقًّا». وافق عشرة مؤرخين «شجعان» على الخوض في تلك اللعبة معها، في ما يلي عرض لترشيحاتهم.سنة 72000 قبل الميلاد

يقول «ديفيد بيكر» مؤلف كتاب «Crash Course Big History» إن التاريخ ممتلئ بالعديد من «السنوات السيئة»، ولكن أسوأ سنة في تاريخ البشرية حتمًا هي تلك السنة التي شارف فيها البشر على الانقراض. ففي سنة 72000 ق.م. تقريبًا كان هناك ثوران بركاني هائل في جزيرة سومطرة المعروفة حاليًا بـ«إندونيسيا». كان الانفجار عظيمًا حتى تحولت الجبال التي كانت موجودة حينها إلى بحيرة الآن. انفجرت الجزيرة بقوة تُقدَر بـ 1.5 مليون قنبلة من قنابل هيروشيما، وتناثرت الصخور والماجما لمسافات قاريّة. كان سُمك طبقات الرماد البركاني يقرب من 15 سم (6 بوصات) مغطية قارة آسيا بأكملها، ووصولًا إلى شرق أفريقيا حيث وجدت آثار له هناك. خيَّم الظلام وتأثر العالم كله بانخفاض درجات الحرارة.

انزاحت تلك «الليلة الطويلة»، لكي يبدأ شتاءً نوويًّا في نفس العام، ويستمر لسنوات عديدة أخرى. إثر ذلك انعدمت مصادر الغذاء، وأشارت اختبارات الحمض النووي أن الكثافة السكانية حينها انخفضت إلى ما بين 3000-10000 شخص. وتكاثرت تلك المجموعة الصغيرة من الناجين الذين شكلوا بلدة صغيرة جدًّا حينها، ليصيروا سبعة مليارات نسمة يعيشون الآن على كوكب الأرض؛ مما يجعلنا من الأنواع الأكثر عددًا والأقرب وراثيًّا في الطبيعة.سنة 1348

يقول «بيتر فرانكوبان» مؤلف كتاب «The Silk Roads: A New History of the World» إن العديد من الناس يعتبرون سنة 2016 سنةً كارثيةً بكل المقاييس، ولكن من وجهة نظر مؤرخ، يعد صراع الناس على السلطة أو حالة تأييد الأغلبية لزعماء فاشلين جاؤوا بخطط رديئة ليست بالشيء الجديد. فكل تلك الثورات السياسية الحالية لا تقارن بسنة 1348 عندما انتشر وباء الطاعون.

انتشر الوباء سريعًا من خلال «طريق الحرير» -وهو مجموعة طرق سلكتها القوافل والسفن امتدت بين جنوب آسيا واليايان والصين وصولًا إلى تركيا-، ثم عبر طرق التجارة إلى البحر الأبيض المتوسط. في غضون 18 شهرًا قضى الوباء على ثلث سكان أوروبا

على أقل تقدير. حيث كتب العظيم «بترارك»: «دفنت آمالنا في المستقبل جنبًا إلى جنب أصدقائنا». وكأنها كانت نهاية العالم، فانتشرت دعوات تنصح بتجنب أية شهوة جسدية تجاه النساء، بينما دعا آخرون الناس للمشي حفاة لجلد أنفسهم، لربما يساعدهم ويخلصهم. علق كاتبٌ دمشقي قائلًا: «ذلك الوباء كالملك الذي تربع على عرشه، وأخذ يستعرض قوته ذاهقًا أرواح الآلاف يوميًّا». وقد وصفت أيام الطاعون بأن الكلاب انتشرت تنهش جثث الضحايا الملقاة في قوارع الطرق، ويعتقد « بيتر» أن هذا ما يطلق عليه جحيم الدنيا، ويذكر أنه لو خير بين عيش عام 2016 بكل ما فيه أو سنة 1348، بالتأكيد سيفضل الأولى.

لعل عزاءنا في هذا الوباء أنه خلف واحدًا من أزهى عصور التاريخ الذهبية، إذ ساعد الوباء في نشر المساواة، وانتعاش الإنفاق، وازدهار الفنون، وغيرها. أحيانًا تمر العاصفة، فتفسح المجال لأشعة الشمس أن تتسلل.

يقول « بيتر شولومان» مؤلف كتاب «Coal and Empire: The Birth of Energy Security in Industrial» هل من المفترض أن تقاس «أسوأ سنة في تاريخ البشرية» على أساس حساب معادلات رياضية لمعاناة البشر؟ أم بعدد الوفيات المهول؟ أم بمدى انتشار البؤس جغرافيًّا؟ من المحتمل أن يكون أيًّا من تلك المقاييس. على الرغم من أن أسوأ سنة يجب أن تكون قد شهدت تحولًا تاريخيًّا عالميًّا في رأيه هي سنة 1492.

في ذلك العام، أكمل الملك الكاثوليكي فرديناند، والملكة إيزابيلا غزوهم لمملكة الموريون –السكان المسلمون بالأندلس- بغرناطة. في غضون سنوات قليلة، ما يقرب من نصف مليون مسلم من ساكني تلك الأراضي كان مصيرهم القتل، أو الإجبار على الارتداد، أو الأسر، أو الطرد من أرضهم. علاوة على ذلك، تم طرد اليهود المقيمين في المملكة منذ عصور الرومان، وقد استمروا في تنفيذ مخططهم في الاضطهاد والطرد طوال سنوات عدة. أدت تلك الأفعال إلى خلق فكرة متميزة جغرافيًّا «أوروبا المسيحية»، لتحل محل أكثر من ألفي سنة من الهويات الدينية والسياسية التي كانت تربط سواحل المتوسط.

بالرغم من كل ذلك، كان الحدث الأبرز تلك السنة هو أول رحلة بحرية لأمريكا لكريستوفر كولومبوس. لم يكن كولومبوس أول أوروبي يصل للقارات الغربية، لكن رحلاته هي أول من نالت شهرة على نطاق واسع. أدى ذلك إلى أن سارعت إسبانيا وكل القوى المنافسة لها على اللحاق بعالم آخر وراء البحار؛ سعيًا وراء التجارة والأراضي. وفي مطلع القرن السادس عشر، شقت أمراض العالم القديم طريقها المحتم إلى الأمريكتين بادئة سلسلة من الأوبئة أدت في نهاية المطاف إلى إبادة 90% من السكان الأصليين، واندثار مجتمعات بأكملها في منتصف القرن التاسع عشر. ولعل الأسوأ من ذلك، عندما تفككت قوة العمالة المحلية، توجه الأوروبيون إلى أفريقيا؛ بحثًا عن مصادر جديدة لاستعباد العمالة في العالم الجديد.سنة 1836

يقول «كلاوديو سان» مؤلف كتاب «West of the Revolution: An Uncommon History of 1776» و«Aboriginia: Mass Deportation and the Road to Indian Territory» -عن الترحيل الجماعي والطريق إلى الأراضي الهندية- إن الحرب كانت قائمة في جبهتين، في ولاية فلوريدا ضد السمينول، وفي ولاية ألاباما ضد الكريك. في يوم 4 يوليو احتفت ولاية جورجيا بأحد متطوعيها لإتيانه «بفروة رأس أحد الهنود». قرب انتهاء تلك السنة، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تحضيراتها لغزو شعب الشيروكي -قبيلة أبالاتشايان الهندية- فأجبرت سكانها على الرحيل بالقوة. وبعد الترحيل الجماعي تحت إشراف الدولة لأول مرة في التاريخ الحديث ظهر تساؤل حيوي، من سيحرث الأرض؟ كانت سنة 1830 إن لم تكن بالتحديد 1836 تمثل ذروة تجارة الرق الداخلية، حيث تم نقل ما يقرب من ربع مليون شخص مستعبد مشيًا على الأقدام، أو على ظهر السفن إلى الغرب ليعملوا في الحقول التي كان يمتلكها السكان الأصليون –الذين رحلوا أو أُبيدوا- قبل سنوات قليلة. رفض السياسيون المؤيدون للعبودية سماع الالتماسات التي قدمها مناهضو العبودية في الكونجرس، وتم تمرير أول قانون تكميم في مايو 1836. فعلى حد تعبير أحد البيض من سكان الجنوب أن تلك الفترة كانت «وقت فوران» حافلًا بالمضاربات على أراضي السكان الأصليين، وصفقات بيع وشراء العبيد السود.

بلغ الأمر ذروته عند التقاء أسوأ موروثات الأمّة: العنصرية والرأسمالية الهوجاء. إذ انفجرت فقاعة المضاربة بالبورصة في العام التالي مخلِفة وراءها مئات البنوك المدَمرة، وديون تقدر بملايين الدولارات. سيتعافى النظام المالي لاحقًا، ولكن لم تكن هناك فرصة للتراجع حينها.

سنة 1837

(رسم كاريكاتور يوضح أثر الكساد الكبير وذعر 1837على أسرة، يوجد على الحائط صور جاكسون وفان بيورين الرئيسين السابع والثامن للولايات المتحدة الأمريكية)

«عام مرعب للجميع».

يقول «جوشوا روثمان» مؤلف كتاب «Flush Times and Fever Dreams: A Story of Capitalism and Slavery in the Age of Jackson» -عن الرأسمالية والعبودية في عهد جاكسون- إن لقب «أسوأ سنة على الإطلاق» يكون من نصيب سنة 1837، لأنه في الغالب كان عامًا مرعبًا للجميع في الولايات المتحدة الأمريكية. على الرغم من ترك أندرو جاكسون منصبه، لم يجد مارتن فان صعوبةً في الترشح لمنصبه والفوز في الانتخابات، إلا أنه بعد توليه بشهور قليلة قاد بلاده نحو أسوأ فترة كساد اقتصادي عرفت في تاريخ الاقتصاد. أطلق على فان بيورين لقب «مارتن فان الخراب»؛ كان الذعر في تلك السنة مدمرًا. تهدمت كل التوقعات المالية لملايين المواطنين البيض، وتصاعد الذعر لينال أيضًا من السود، وزاد استمرار شتاتهم حيث باعهم البيض بأثمان بخسة في محاولات بائسة لسداد الديون. بالإضافة إلى نقل البيض العبيد إلى ولاية تكساس؛ مما أدى إلى زيادة ضغط الأمريكيين على السكان الأصليين في تلك المنطقة.

بالتأكيد عانى المواطنون الأصليون من غارات البيض لسنوات، ولكن في سنة 1837، شهدوا استمرارًا لتشريدهم بسبب حرب السيمينول، وبداية الترحيل القسري لقبائل التشيكاساو من الجنوب الغربي إلى ولاية أوكلاهوما. في السنة التالية حدث ما يسمى بترحيل «درب الدموع» للشيروكي. في تلك الأثناء أعدمت عصابة من البيض الوزير المناهض للاسترقاق «إيليا لوفجوي» في الغرب الأوسط بولاية إلينوي، فتفاقم الوضع أكثر من المعتاد عليه من تحرش واضطهاد لنشطاء مكافحة العبودية، وتصاعد من كونه عنفًا ممنهجًا إلى القتل، تاركين سياسة العبودية مشتعلة لدرجة أنه لم يكد يخرج أحد من تلك السنة سليمًا معافى. ويضيف «جوشوا» إنه من المؤكد توجد سنوات عدة مرشحة للحصول على لقب أسوأ سنة على الإطلاق، لكن في رأيه تلك السنة تحديدًا وصلت إلى حد مرعبٍ للغاية.عام 1876

«عام كريه سيتردد صداه على مدى عقود، وينعكس على العلاقات العرقية السيئة والصدمات العقلية».

يقول «جون كولمان» مؤلف كتاب «Here Lies Hugh Glass: A Mountain Man، a Bear، and the Rise of the American Nation» -عن صعود الأمة الأمريكية- إن عام 1876 في رأيه هو الأسوأ على الإطلاق، إذ مهدت الانتخابات الرئاسية المنقسمة ساحة الأحداث لتسويات إنهاء عصر«إعادة الإعمار» التي أعقبت الحرب الأهلية. ويقول إنه يود لو يرشح سنوات الحرب الأهلية كأسوأ أعوام على الإطلاق من حيث الخسائر، لكن الفشل في الدفاع عن المساواة العرقية في ولايات الجنوب بعد أن ضحى سيل من الأرواح في سبيلها، يعد أكثر مأساوية من الحرب نفسها. بالإضافة إلى أنه في عام 1876، قامت معركة تل بيج هورن التي انتصر فيها الهنود على الخيالة الأمريكيين بقيادة «كاستر»، وقتل عدد كبير منهم، ومع ذلك فر الهنود من السهول الكبرى نتيجة لاختفاء مصدر عيشهم بسبب حملات صيد البيسون، والتي أوقفت لاحقًا نتيجة التحذيرات من الأخطار البيئية لانقراض البيسون. فاجتماع الحدثين وهما فشل إعادة البناء، وهزيمة قوات الحكومة الاتحادية أمام الهنود كان كافيًا ليجعل منه عامًا سيئًا للغاية. وأضف لذلك أعمال الشغب العرقية في جامعات ساوث كارولاينا، وبرينستون، وهارفارد، وكولومبيا، فتشكلت رابطة كرة القدم بين تلك الكليات. فكل تلك العوامل أنتجت عامًا كريهًا ستستمر أصداؤه في النفوس، وتنعكس على العلاقات العرقية السيئة.عام 1877

تقول «مانيشا سينها» مؤلفة كتاب «The Slave’s Cause: A History of Abolition» عن تاريخ العبودية حتى حظر تجارة الرقيق، إنها كمؤرخ بالطبع يراودها القلق بشأن أسوأ عام على الإطلاق، فهو حكم يختلف باختلاف المصائب، هل كانت فردية شخصية، أم أحداث كارثية تاريخية عالمية. قام «إيفان كايندلى» باستطلاع للرأي سريع على موقع تويتر يسأل هل عام 2016 الذي لم ينتهِ بعد هو الأسوأ منذ بدء الألفية؟ تعتقد «مانيشا» أن سبب زيادة نسبة المتفقين على أن 2016 هو الأسوأ على الإطلاق يرجع بالأساس إلى حوادث التفجيرات الإرهابية اللامنتهية حتى الآن منذ بداية العام، فضلًا عن الانتخابات الرئاسية وسياساتها، بالإضافة إلى زيادة العنف والقتل على أيدي الشرطة، وما تلاه من اغتيالات في صفوف الشرطة كانتقام للمقتولين في الولايات المتحدة الأمريكية. فإذا نجح ترامب بالفعل في الانتخابات، ربما يكون عام 2016 الأسوأ بلا منازع حتى نهاية القرن الحالي.

لكن قبل تصنيف عام 2016 على أنه عام كارثي، ويحدوها الأمل ألا يكون كذلك، ربما علينا الأخذ في الاعتبار أن أسوأ سنة على مر التاريخ قد تكون سنة انتشار الطاعون في أوروبا، أو ما عرف حينها بالموت الأسود، أو سنة المجاعات في آسيا وأفريقيا، أو بدء إبادة السكان الأصليين في الأمريكيتين، أو بدء تجارة العبيد عبر الأطلنطي بين أفريقيا والأمريكتين، أو صعود الإمبريالية الأوروبية أو هتلر؟

لكن، ربما يقوم متخصص في التاريخ في القرن 19 بتصنيف عام 1877 الأسوأ، فبعد مرور عقود من الزمان نرى بوضوح أن العديد من الويلات التي نعاني منها اليوم تعود لعام إطاحة إعادة الإعمار الراديكالي، والتراجع الذي حدث في خلق ديمقراطية متعددة الجنسيات والأعراق.سنة 1919

يقول «كيفين كروز» مؤلف كتاب «One Nation Under God: How Corporate America Invented Christian America.» -عن كيف تشكل الاقتصاد الأمريكي وعلاقة الكنيسة بذلك- إن أمريكا فازت في الحرب العالمية الأولى لكنها خسرت السلام والأمان بشكل فعال، إذ رفض مجلس الشيوخ «الانعزالي» التصديق على معاهدة عصبة الأمم، في حين عانى الرئيس الأمريكي ويلسون من سكتة دماغية. وفي تلك الأثناء، بينما أنهت الحكومة قوانين الحرب وتدبيرات الإنفاق الخاصة بالحرب، ارتفعت معدلات التضخم والبطالة لتزيد الأخيرة بنسبة 20% عن السابق. وأدى انتشار وباء الإنفلونزا الأسوأ في التاريخ لقتل ما يقرب من نصف مليون أمريكي. كما شهدت نفس السنة التعديلات الدستورية الـ 18، والتي قضت بحظر الكحوليات في أمريكا وبدء عقد من الفوضى، علاوة على الحدث الأسوأ سمعة في هذا العام «صيف 1919 الدموي» إذ شهد أعمال شغب عرقية في مختلف البلاد، اندلعت الاضطرابات في شيكاغو، في 5 أيام من العنف الوحشي، والذي خلف حوالي 500 جريح و38 قتيلًا، وفي تلك الأثناء واصلت جرائم القتل الارتفاع لتصل لـ 76 قتيلًا من الأمريكيين السود، ومن بينهم 10 من قدامى المحاربين.

أما عن خريف عام 1919، فقد شهد أضخم إضراب عمالي، إذ أضرب حوالي 350000عامل بالحديد والصلب، وأضرب حوالي 425000 من عمال المناجم عبر البلاد، كما أضربت أغلب قوى الشرطة في بوسطن. بدا للعديد من الناس أن مثل تلك الاضطرابات كانت علامة مميزة في إعطاء إشارة لأمريكا للقيام بثورة على غرار الثورة البلشيفية التي اندلعت قبل قليل في روسيا. وتحول الخوف إلى ذعر بعد إرسال قنابل للأشخاص البارزين في المجتمع الأمريكي، مثل عضو المحكمة الدستورية العليا «أوليفر ويندل هولمز» و«جون روكفيل». وفي نوفمبر من نفس العام بدأ النائب العام «ميتشيل بالمر» بما يدعى بالخوف الأحمر، وهي حملة اعتقالات موسعة ضد الراديكاليين، والأناركيين الفوضويين، والشيوعيين الذين ارتكبوا أكبر الانتهاكات بحق الحريات المدنية في نصف القرن الأول كله.

أجمع الكل على أن عام 1919 كان عامًا من الفوضى السياسية، وعدم الاستقرار الاجتماعي، والدمار الاقتصادي، والأوبئة المدمرة للصحة، وأحداث الشغب الدموية العنصرية، والإضرابات العمالية الضخمة، والقبضة الحكومية الوحشية. وهو بذلك منافس مناسب جدًّا لعام 2016.عام 1943

يقول «مات ديلمونت» مؤلف كتاب «Why Busing Failed: Race، Media، and the National Resistance to School Desegregation» إنه في خضم الحرب برز عام 1943 باعتباره سنةً مروعةً، إذ ازدادت بشاعة محرقة الهولوكوست أسبوعيًّا، وبشكل ممنهج قام النازيون بترحيل وقتل أكثر من 1.3 مليون يهودي. وبدأت أخبار تلك الفظائع تجوب العالم، لكن الحلفاء افتقدوا الإرادة السياسية والقدرة العسكرية لإنقاذ يهود أوروبا. في رسالة انتحاره كتب «صامويل زيجيالبوم» -وهو سياسي بولندي يهودي انتحر بعد أن قتلت زوجته وابنه في انتفاضة غيتو وارسو-: «بموتي أتمني أن أكون قد نفذت احتجاجي النهائي ضد سلبية العالم الذي يقف على مرأى من الإبادة العرقية لليهود، ويسمح بها».

الوعي العام بالفظاعات التي تحدث لا يؤدي بالضرورة إلى وقف حدوثها 

الحرب العالمية الثانية أيضًا دفعت في اتجاه زيادة صادرات الأطعمة من الهند البريطانية، وذلك لتوفير الطعام لكل من الجنود البريطانيين والمواطنين؛ مما تسبب في مجاعة هائلة في إقليم البنغال، وقد تسبب ذلك تقريبًا في مقتل 3 ملايين شخص.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، اجتاح العنف العنصري البلاد، فخلال صيف عام 1943 تم الإبلاغ عن حوالي 240 معركة بين الأعراق المختلفة في المدن والقواعد العسكرية على السواء، ومن بينها أعمال الشغب التي عرفت بـ«شغب بزات الزوت» في لوس أنجلوس، وكذلك أعمال الشغب في هارلم ويترويت. ثورغود مارشال –رئيس الجمعية الوطنية للنهوض بالملونيين NAACP- كان أول قاض ينضم للمحكمة العليا من السود، كتب تقريرًا بعنوان «الجيستابو –البوليس السري الألماني- في ديترويت» والذي انتقد المسؤولين في المدينة لعدم تصديهم لعقود من عنف الشرطة تجاه السود، قائلًا: «الكثير من الدم المراق يقع اللوم فيه على قسم الشرطة في ديترويت».

يقول «مات» إنه يختار عام 1943 من بين أسوأ الأعوام على الإطلاق، ليس فقط للفظائع التي حدثت فيه، إنما أيضًا بسبب الرصيد المحبط للبشرية في عدم قدرتها على وقف أو منع الوحشية. فعام 1943 يؤكد أن الوعي العام بالفظاعات التي تحدث لا يؤدي بالضرورة إلى وقف حدوثها، وأنه حقيقةً لا يوجد عصر ذهبي للسلام العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية.عام 1968

تقول «سوزان ستراسر» مؤلفة كتاب «Satisfaction Guaranteed: The Making of the American Mass Market» -عن نشأة السوق الأمريكية- إنها ليست متأكدة ما هو العام الأسوأ على الإطلاق، وأنها تجيب عن هذا السؤال من منطلق خبرتها الشخصية وليس كمؤرخ، لكنها تعتقد أنه عام 1968. فبحلول 31 ديسمبر كان العالم مضطرًا للتعامل مع أحداث عظام كاغتيال مارتن لوثر كينج، وروبرت كينيدي، والتمرد في المناطق الحضرية في العديد من المدن الأمريكية، وكذلك احتلال تشيكوسلوفاكيا بعد فترة «ربيع براغ»، واحتضار ثورة الطلاب الفرنسية، وانتهاء المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاغو، فضلًا عن أعداد الوفيات والإصابات التي خلفها كل حادث مما سبق ذكره، وبالطبع لا نغفل انتخاب ريتشارد نيكسون. كل هذا بالإضافة إلى ما كان يتوارد يوميًّا عن الفظائع التي تحدث في فيتنام، وتذكر أيضًا مذبحة «ماي لاي» على الرغم من أن الناس لم يعلموا بشأنها إلا في العام التالي. وتضيف أنه بينما مواقع التواصل الاجتماعي اليوم لها طريقتها في إظهار وكشف كل شيء يحدث في الحال، كانت الشبكات الإخبارية تسير على نفس المنوال حتى مع وجود 3 قنوات فقط، فقد كان الجميع يشاهد أخبار القتل والدمار أثناء تناول الغداء.سنة 2003

يقول «ماثيو برات جوتريل» مؤلف كتاب «Seeing Race in Modern America» -عن الصراع العرقي في أمريكا- إنه في فبراير من عام 2003 استعدت إدارة الرئيس بوش وحلفاؤه لشن الحرب، وحرص المحتجين حول العالم على التعبير عن رفضهم للتعبئات للحرب، وغمرت أعداد المتظاهرين المدن حول العالم في أكبر مظاهرة عالمية للسلام على مر التاريخ. في مانهاتن تجمع أكثر من 100000 متظاهر من جميع الطبقات، وشلت حركة المرور، كما احتشدوا أمام مبنى الأمم المتحدة، وقد شهدت المدن الأوروبية مظاهرات أكبر من تلك.

ما تزال وسائل الإعلام الأمريكية تحتكرها الشبكات الكبرى، وهي بالكاد غطت أيًّا من تلك الأحداث المناهضة للحرب. على سبيل المثال، في مدينة نيويورك أظهرت النشرة المسائية مجموعة صور لمظاهرة تعاطف في بغداد، وهو تبديل للحقيقة خاطئ «ملعون».

يقول «ماثيو» إن فشل وسائل الإعلام في تغطية المظاهرات، ولاسيما فشلها في استجواب إدارة بوش عن الأكاذيب و«أنصاف الحقائق» التي ادعتها لتبرير الحرب، كان فشلًا كارثيًّا، فضلًا عن هدوء الحزبين السياسيين الأهم عندما تمت مواجهتهما بحقيقة العلاقة المشكوك فيها بين تفجيرات 11\9 والحرب في العراق. كشف كل ذلك عن سلطة القوة العضلية الوطنية في سحق المعارضة الحزبية، وتنحية التفكير العقلاني والاستخباراتي، وتمكنها من إخضاع الأخبار لصالحها «بالخوف»، فهي سلطة أثبتت قوتها وخطرها على السواء.

وعلى كل حال حدثت الحرب كما تم التخطيط لها، فكانت النتيجة عالمنا اليوم، عالم رهيب متطرف عنصري، شوهته التفجيرات وأفسدته الطائرات الحربية بدون طيار، والدروع المصفحة.

إقرأ أيضاً
WhatsApp
Telegram
إقرأ أيضاً