قتل المرتد.. جريمة لا يعرفها الإسلام (1 - 3)

محمد أبو العيون

04:25 م

الإثنين 20/مايو/2019

حجم الخط A- A+

وصلتني العديد من الرسائل المُعقب أصحابها على مقالي الأخير «المجاهرون بالفطرٍ.. وفقه الدواعش!»، وقد راعني أن أكثرية المعقبين تركوا القضية الرئيسة التي كنت أناقشها، وصبّوا غضبهم على جملة أوردتها في مقالي، قلت فيها: إن أحكام التبليغ أو التشريع الإلهي لا تنص على معاقبة المسلم التارك للفريضة تكاسلًا، وكذا لا تنص على معاقبة المسلم التارك لها جحودًا، حتى وإن بلغ هذا الجحود حدَّ إعلانه ردته عن الإسلام.. معتبرين أن إنكاري لما أسموه «حد الردة»، يُعد إنكارًا لمعلوم من الدين بالضرورة.

والحقيقة أنني لم أجد في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية المُشرفة، ما يجعل معاقبة المرتد أمرًًا معلومًا من الدين بالضرورة، ولكنه «تغييب العقول» ذلك المرض العضال الذي أصيبت به الأمة، جراء تقديس أقوالٍ بشرية صُدرت إلينا على أنها دينٌ يُتعبد به، ولو تفحصنا حياة أصحاب هذه الأقوال التراثية لوجدنا أنهم علماء أفاضل لم يدعوا أحدًا إلى تقديسهم، وأعلنوا صراحة أن أقوالهم مجرد اجتهادات قابلة للصواب وقابلة أيضًا للخطأ، ولكنهم الأوصياء الذين جاءوا من بعدهم واعتادوا تكفير المختلف معهم في الرأي، واتهامه بازدراء الأديان، وغير ذلك من الاتهامات المُعدّة مُسبقًا لإرهاب كل من يخوض في قضية تجديد الفكر الإسلامي، وبعيدًا عن هؤلاء فإن مسألة الردة، تحتاج إلى نقاش هادئ نخاطب فيه أصحاب العقول كما تعودنا في طرح أي قضيةٍ.

إننا في حاجة -ونحن نناقش هذه المسألة- إلى تسليط الضوء في عُجالةٍ على الغاية التي من أجلها خلق الله الخلائق، وهذه الغاية تتجسد في الإقرار له بالتوحيد وعبادته وفق تعاليم الشرائع التي أرسل بها الأنبياء، ولكنها غاية اختيارية، ولا تصح بأي حالٍ من الأحوال إذا أقر بها الإنسان تحت وطأة التهديد أو الخوف من القتل أو من أي عقوبة أخرى، ولذا فإن الخالق -جلّ وعلا- كفل كل الضمانات التي تجعل الواحد منّا يختار عقيدته كيفما يحلو له، وإن شاء أصبح بلا عقيدة (لا ديني)، حتى إذا ما حوسب في الآخرة كان الحساب على الاختيار الحر، وليس على القناعات المفروضة بالقوة، وقد تعلمنا أن كل فعل نابع من إكراهٍ فهو والعدم سواء.

ولذا جاء النهي المشدد عن إكراه الناس على اعتناق أي دين دون قناعة منهم، أيًا كان نوع الإكراه، فكريا أو جسديا أو نفسيا أو حتى إلحاح بدافع المحبة والخوف على المدعو إلى اعتناق الدين، وقد كان نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم حريصًا كل الحرص على إدخال الناس في الإسلام رحمة بهم، وأجهد نفسه حيال بلوغ هذه الغاية النبيلة خوفًا على الناس وحبًا فيهم لا لشيء آخر؛ إلا أن الله عز وجل عاتبه على هذا، ودعاه إلى أن يُرفق على نفسه، إذ قال له: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (يونس: 99).

ورغم أن إكراه نبينا صلى الله عليه وسلم هنا كان محمودًا، ولم يتجاوز الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان دافعه طلب الخير للناس؛ فإن المولى عز وجل نهاه عنه، ليرسخ قاعدة إلهية غاية في العظمة، وهي أن الناس أحرارٌ فيما يعتنقون، ولا يجوز بأي حالٍ من الأحوال التشويش عليهم -مجرد التشويش- وعدم إعطائهم الفرصة كاملةً للتفكير بأريحية ثم إعلان قرارهم.

ونصوص القرآن الكريم صريحة ومباشرة في ترسيخ قاعدة حرية الاعتقاد، إذ يقول الله عز وجل في محكم تنزيله: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» (الكهف: 29)، ويقول في آية أخرى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (البقرة: 256)، وهاتان الآيتان -وغيرهما كثير- ضمنت حرية الاعتقاد، وتركت الناس وقناعاتهم، وهذا فيما يتعلق بعموم الاختيار، ولكن ماذا لو أن إنسانًا اعتنق الإسلام ثم اختار تركه وأعلن ردته؟ هل هو حرٌّ في هذا الاختيار أم أنه مقيدٌ بأطر وتشريعات تلزمه بالإقلاع عن الردة والعودة إلى الإسلام وإلا واجه عقوبة القتل؟

القرآن الكريم تحدث عن الردة في آيتين فقط، يقول الله تعالى في الآية الأولى: «وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (البقرة: 217). ويقول جل وعلا في الآية الثانية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» (المائدة: 54)، وكما سمعنا فإن الآيتين لم تتطرقا من قريب أو بعيد إلى تطبيق أي عقوبة دنيوية على المرتد، بل أكد المولى عز وجل فيهما أنَّ العقوبة في الآخرة فقط، ما يعني أن تطبيقها حقٌّ للخالق وحده دون تدخلٍ من أي بشر، وإذا أضفنا هاتين الآيتين إلى بقية الآيات التي كفلت حرية الاعتقاد، يتضح لنا بما لا يدع مجالًا للشك، أن المرتد حرٌّ في اختياره ولم يُعطَ أي إنسان أية سلطة لمعاقبته على هذا الاختيار، وحسابه على الله.

وقد يقول قائل: إذا كانت نصوص القرآن قررت بأن المرتد حرٌّ في اختياره وأن حسابه على الله.. إذن أين هو الاختلاف؟ ونجيب بأن الأمر ليس فيه اختلاف، فنحن لدينا تشريع إلهي مُحكم وغير قابل للتأويل؛ إلا أن تقديس التراث واعتباره دينًا يُتعبَّد به هو الذي زج بنا في مستنقع الجدل، ففقهاء المذاهب الأربعة -الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة- اتفقوا على أن الردة «جريمة»، وأفتوا بأن المرتد يستتاب (ثلاثة أيام أو شهرًا أو أكثر.. اختلفوا في تحديد مدة الاستتابة) فإن عاد إلى الإسلام تُرك، وإن أصر على اختياره قُتل، وقالوا إن معنى الاستتابة هو الحوار والمناقشة، والحقيقة أنني لا أعرف أي حوار هذا وأية مناقشة تلك والنتيجة معروفة ومحددة من قبل أن يبدأ الحوار؟! ولا خيار أمام هذا الشخص سوى العودة إلى الإسلام كارهًا خوفًا على حياته، أو التمسك بقناعاته ومواجهة الموت.

وحتى نكون محايدين، ويتضح الأمر للجميع، يجدر بنا الإجابة على عدة أسئلة هامة: من أين أتى الفقهاء بهذا الحكم الذي يصطدم مع النصوص القرآنية؟ وهل هناك تأويل لتلك النصوص القرآنية التي كفلت حرية الاعتقاد وتحدثت عن المرتد لم نفهمه نحن، رغم قناعتنا بأنها نصوص مُحكمة؟ والأهم من هذا كيف تعامل رسول الله مع من ارتد في حياته صلى الله عليه وسلم؟ هذه الأسئلة وغيرها نجيب عليها في الجزء الثاني من: «قتل المرتد.. جريمة لا يعرفها الإسلام».

للتواصل مع الكاتب:



موضوعات متعلقة