الوصاية الدينية.. و"برنيطة" الإمام

ads

محمد أبو العيون

09:48 م

السبت 05/أكتوبر/2019

حجم الخط A- A+

يصطدم الفكر الإصلاحي ودعوات تجديد الخطاب الإسلامي، بذلك الموروث التراثي الذي يقاتل الدوجمائيين (أصحاب الفكر الجامد) للإبقاء عليه حفاظًا على مكتسبات سلطوية ومادية يُدرها عليهم تغييب العقل الجمعي، والمعركة بين المجددين والجامدين "قديمة - حديثة"، يخبو أوارها حينًا ويطفو على السطح بمجرد أن يلقي أي مصلحٍ حجرًا في مياه الجمود الراكدة.


وتكمن معاناة المصلحيين، في أن الأنظمة السياسية والجموع الشعبية يتركونهم فريسة سهلة لـ"تشويه السمعة" ومختلف أنواع الاغتيال المعنوي الذي يمارسه ضدهم فريق الجامدين، وهي الأساليب التي قد تتضاعف حدتها وصولًا إلى التصفية الجسدية، وتاريخنا الإسلامي "القديم - الحديث" يزخر بنماذج عدة من المصلحيين الذين اتهموا في دينهم، والذين شنت ضدهم حروبًا معنوية ممنهجة أدت إلى انفضاض العوام من حولهم باعتبارهم زنادقة يهدفون إلى تخريب الدين ونقض عراه، وهذا الأسلوب الرخيص الذي لا يُجيد المقلدين غيره، جعل الكثير من المصلحيين يؤثرون السلامة عن طريق الانزواء والكف عن الحديث في التجديد، أو توجيه رسائلهم الإصلاحية لـ"فئة نخبوية" دون بقية فئات الشعب، أو الإصرار على المُضي قُدمًا في هذا المعترك الصعب متحملين النتائج أيما كانت، والسبب الرئيس الذي يجعل المقلدين يلجأون إلى هذه الأساليب الرخيصة هو فقدانهم لأي حجة منطقية يردون بها على رسائل حملة راية التجديد.


المصلحون ينادون بـ"تحرير العقل"، وإنهاء عصور الوصاية الدينية، والنظر إلى التراث الإسلامي على أنه تاريخ علمي ونتاج اجتهاد بشري يؤخذ منه ويرد عليه، ولا يجوز - ولا يُقبل - بأي حالٍ من الأحوال تقديسه، أو اعتباره دينٌ يتعبد به، أو رفعه إلى مرتبة مساويةٍ للقرآن والسنة النبوية، وهم في هذا يدعون إلى تطبيق صحيح الإسلام الذي يُعلي من شأن العقل، وينهى عن الانقياد الأعمى، ويُقبح الجمود الفكري وتغييب دور العقل النقدي، وتغليب العاطفة الدينية والروحية وتقديس أقوال السلف وتقديمها على صحيح النص والعلم والفهم، فهذه العاطفة وذاك التقديس كما قال الدكتور طه حسين، في كتابه "الشعر الجاهلي" الصادر في العام 1926: "لا علاقة لهما بقوانين العلم، الذي يقتضي إخضاع كل شيء لامتحان الدليل العقلي والاستقرائي".


وعلى النقيض؛ فإن المقلدون يَحيَونّ بـ"تغييب العقول" الذي يُكرس لمزيد من الوصاية الدينية، ويتخذون من أقوال الفقهاء والمفسرين.. إلخ الموروث التراثي، نصوصًا مقدسة غير مسموح لأحدٍ بالاقتراب منها أو حتى مجرد التفكير في تنقيحها، وهم في هذا المنحى لا يدافعون عن الدين بقدر ما يقاتلون للحفاظ على بقاء العقول أسيرةً لفتاويهم التي هي نقول من كتب السابقين وأكثريتها باتت غير متوافقة مع مقتضيات عصرنا الراهن، وقد أكد الإمام أبو حامد الغزالي (منذ أكثر من تسعة قرون مضت) أن من ترك التجديد، واكتفى بالتقليد، فقد هلك هلاكًا مطلقًا، إذ يقول في مؤلفه "معراج السالكين"، ص 298/ 299: "فاعْلَمْ يا أخِي أنَّك متَى كُنتَ ذاهِبًا إلى تَعرُّفِ الحَقِّ بالرِّجالِ مِنْ غَيرِ أن تَتَّكِلَ على بَصِيرَتِكَ؛ فقد ضَلَّ سَعْيُكَ؛ فإنَّ العالِمَ مِنَ الرِّجالِ إنَّما هو كالشَّمسِ أو كالسِّراجِ يُعطِي الضَّوْءَ، ثم انظُرْ ببَصرِكَ، فإن كُنتَ أَعمَى فما يُغنِي عنك السِّراجُ والشَّمسُ، فمن عَوَّلَ على التَّقلِيدِ هَلَكَ هَلاكًا مُطلقًا".


ويوافقه في هذا الإمام الشوكاني؛ إذ يقول في الصفحة 253، من مؤلفه "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول": "لا يجوز لأهل أي عصرٍ تعطيل فريضة الاجتهاد مكتفين بما جادت به قرائح من مضى؛ لأنه لولا هذه الفريضة لما أصبح للأمة الإسلامية أي شأن يُذكر بين الأمم، ولولاها لعجز السابقون عن ترك هذا التراث الذي يدلُ دلالة قطعية على أننا كنا أمة مواكبة لركب الحضارة، إن لم نكن نتسيد ركب الأمم، وقد حكم الإمام أبو حامد الغزالي بـ"الإثم" على الأمة كلها إذا تركوا الاجتهاد وركنوا إلى التقليد؛ إذ يقول في مؤلفه "المستصفى" (2/12): "وإذا قصر في تحصيل الاجتهاد أهل عصر؛ فإن أهل ذلك العصر قد أثموا بتركه، وأشرفوا على الهلاك، وتكون الأمة بكاملها آثمة لتركه".


ومنذ ما يربو على المائة عام من الآن، أفتى الإمام محمد عبده (1849 - 1905)، بجواز لبس "البرنيطة" و"البدلة"، وقد كان رجال الدين في ذلك الوقت يُحرمون ارتداء هذا الزي بدعوى أن فيه تشبه بـ"الكفار"، وبالرغم من أن فتوى الإمام كانت مواكبة للعصر وغير متعارضة مع نصوص الإسلام؛ إلا أن "حراس العقيدة" قدحوا في دينه، واتهموه بأنه عميل للإنجليز هدفه تخريب الدين ونقض عراه وإفساد عقيدة الناس، وشنوا ضده حربًا شعواء شوهوا فيها سمعته أمام العامة واختلقوا ضده الأكاذيب، مما أجبره على إلى الاستقالة من مجلس إدارة الأزهر (هيئة كبار علماء الأزهر الآن)، وظل هذا الإفك الذي نُسب زورًا وبهتانًا بحق الإمام يلاحقه حتى وفاته في الخامس عشر من يوليو عام 1905.

والحقيقة أن حملة "تشويه السمعة" التي شُنت ضد الإمام محمد عبده، أو الإغتيال المعنوي بتعبير أدق، لم يكن دافعها فتوى "البرنيطة والبدلة"، بل اُتخذت هذه الفتوى زريعة مكنت المقلدين من وأد مشروع إصلاح الأزهر وتجديد الفكر الإسلامي الذي كان يحمل رايته الإمام الراحل. المقلدون هنا أدركوا أن نجاح المشروع الإصلاحي للإمام معناه انتهاء عصر "الوصاية الدينية" إلى الأبد، وهو ما يترتب عليه بالتبعية زوال سلطتهم الكهنوتية وضياع مكاسبهم المادية.


لقد كان الإمام الراحل ينادي بالإصلاح ويدعو إلى تحرير العقل، ويرى في تقديس أقوال السابقين "عيبًا" لا يُقره الإسلام؛ إذ يقول في الصفحة 195 من الجزء الثالث من مؤلف "الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده": "لقد جعل الفقهاء كتبهم هذه -على علاتها- أساس الدين، ولم يخجلوا من قولهم: إنه يجب العملُ بما فيها، وإن عارض الكتاب والسنة؛ فانصرفت الأذهان عن القرآن والحديث، وانحصرت أفكارهم في كتب الفقهاء على ما فيها من الاختلاف في الآراءِ والرَّكاكةِ".

أما عن إصلاح الأزهر؛ فقد كان يرى ضرورة تغيير النظام التعليمي في هذا المعهد واستبداله بنظام حديث من شأنه تخريج علماء مواكبين لمقتضيات العصر ومتطلبات الناس. كان الإمام يحارب الجمود ويدعو إلى أن يكون الأزهر منبرًا للتجديد لا التقليد، وهو في هذا يهدف إلى إصلاح هذا المعهد العريق وليس لهدمه كما رُوجّ عنه، وجاءت هذه المطالبات نتاج تجربة قاسية خاضها الإمام مع نظام التعليم الأزهري القديم؛ إذ يقول وفقًا لما نقله الشيخ عبد المتعال الصعيدي، في مؤلفه "تاريخ الإصلاح في الأزهر"، ص 57 - 65: "إننى لم أُحصل من العلم إلاّ بعد أنْ مكثتُ عشر سنين أكنس من دماغى ما علق فيه من وساخة الأزهر، وهو الآن لم يبلغ ما أريده له من النظافة".


وكانت هذه المطالبات الخاصة بإصلاح الأزهر التي حمل رايتها الإمام محمد عبده، من أهم أسباب شن حرب شعواء ضده، نجح فيها المقلدون في وأد المشروع الإصلاحي للإمام برهة من الزمن؛ لكنهم في ذات الوقت عجزوا عن فض التلاميذ من حوله؛ فالبرغم من قسوة الظروف التي عاناها الإمام إلا أنه نجح في تنوير عقول الكثير من تلاميذه أملًا في أن يكونوا حملة الراية من بعده: "إني بذرتُ فى الأزهر بذرًا إما أنْ ينبتْ ويُـثمر ويؤتي أكله المغذي للروح والعقل، فيحيا حياة جديدة، وإما أنْ يقضى الله على هذا المكان قضاءه الأخير".

ويعكس نجاح حملة "تشويه السمعة" التي شنت ضد الإمام محمد عبده، وضد كل المصلحين قبله ومن بعده، عمق دولة "الوصاية الدينية" التي نجحت حتى الآن في تحويل أفكارٍ أنتجتها عقول بشرية (اجتهادات السابقين) إلى عقائد محظور الاقتراب منها أو المساس بها، ولكنه الأمل والثقة في أن شمس التجديد ستشرق وإن طال ليل التقليد المظلم؛ فقناعتنا الراسخة أن دينٌ يُخشى عليه من إعمال العقل، ويقف الأوصياء حائلًا بينه وبين الإصلاح والتجديد، وبين ثراء النقاشات والحوار؛ هو دينٌ وضعي لا يمت إلى السماء بصلة، والإسلام دينٌ سماوي، ولهذه الحقيقة التي لا تقبل التشكيك ستشرق شمس التجديد.

موضوعات متعلقة